فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 743

23 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى جَوَازِ بَيْعِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ مِنْ الذِّمِّيِّ , إلَّا أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا بِالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِإِفْضَائِهِ إلَى إسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا . وَاسْتَدَلُّوا لِمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ لِلذِّمِّيِّ ; بِأَنَّهَا مَالٌ مَمْلُوكٌ لِلْمُسْلِمِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ لِلذِّمِّيِّ أَوْ غَيْرِهِ . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إلَى مَنْعِ الْمُسْلِمِ مِنْ بَيْعِهَا إلَى الذِّمِّيِّ ; لِأَنَّ بِانْتِقَالِهَا إلَى الذِّمِّيِّ يَسْقُطُ الْعُشْرُ فَيَتَضَرَّرُ الْفُقَرَاءُ . وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَظِيفَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا تَمَلَّكُوا الْأَرْضَ الْعُشْرِيَّةَ , فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ عِنْدَهُمْ , وَالثَّوْرِيُّ , وَشَرِيكٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ إلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً بِمُجَرَّدِ انْتِقَالِهَا إلَى الذِّمِّيِّ وَلَا يُفْرَضُ عَلَيْهَا عُشْرٌ , وَلَا خَرَاجٌ لِفَقْدِ مُوجِبِهِمَا . فَالْخَرَاجُ يَجِبُ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي خَضَعَتْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْغَلَبَةِ , أَوْ الصُّلْحِ وَلَا يَجِبُ بِالْبَيْعِ وَلَا بِمُجَرَّدِ انْتِقَالِهَا إلَى ذِمِّيٍّ . وَالْعُشْرُ يَجِبُ فِي الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ , وَلَا يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ ; لِأَنَّ الْعُشْرَ عِبَادَةٌ , وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا . كَمَا قَاسُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَسْأَلَةِ انْتِقَالِ الْحَيَوَانَاتِ السَّائِمَةِ إلَى الذِّمِّيِّ فَكَمَا تَسْقُطُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ بِانْتِقَالِهَا إلَى الذِّمِّيِّ , يَسْقُطُ الْعُشْرُ عَنْ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ بِانْتِقَالِهَا إلَى الذِّمِّيِّ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إلَى أَنَّهَا تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً , وَيُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ الَّذِي انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الْخَرَاجُ لَا الْعُشْرُ ; لِأَنَّ الْعُشْرَ فِي مَعْنَى الْعِبَادَةِ , وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ الْمَعْهُودَةُ , وَلِهَذَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً . وَإِذَا تَعَذَّرَ إيجَابُ الْعُشْرِ وَجَبَ الْخَرَاجُ إذْ لَا بُدَّ مِنْ فَرْضِ وَظِيفَةٍ عَلَى الْأَرْضِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي وَقْتِ صَيْرُورَتِهَا خَرَاجِيَّةً , فَفِي رِوَايَةٍ تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً بِالشِّرَاءِ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً مَا لَمْ يُوضَعْ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ , وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْخَرَاجُ إذَا مَضَتْ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا , سَوَاءٌ زَرَعَ أَمْ لَمْ يَزْرَعْ . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَأَبُو يُوسُفَ إلَى أَنَّهَا تُعْتَبَرُ خَرَاجِيَّةً وَيُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ الْعُشْرُ مُضَاعَفًا , كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رضي الله عنه مَعَ نَصَارَى تَغْلِبَ . وَلِأَنَّ انْتِقَالَهَا إلَى الذِّمِّيِّ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ الْعُشْرِ , وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِالْفُقَرَاءِ , فَإِذَا تَعَرَّضَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لِذَلِكَ ضُوعِفَ عَلَيْهِمْ الْعُشْرُ كَمَا لَوْ اتَّجَرُوا بِأَمْوَالِهِمْ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِمْ ضُوعِفَتْ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ فَأَخَذَ مِنْهُمْ نِصْفَ الْعُشْرِ . وَيُوضَعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ . وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ إلَى أَنَّهَا تَبْقَى عُشْرِيَّةً , وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ سِوَى الْعُشْرِ , وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ أَرْضٍ ابْتَدَأَتْ بِضَرْبِ حَقٍّ عَلَيْهَا لَا يَتَبَدَّلُ الْحَقُّ بِتَبَدُّلِ الْمَالِكِ , كَالْخَرَاجِ , وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَئُونَةُ الْأَرْضِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَالِكِ , حَتَّى يَجِبَ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ , فَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَالِكِ . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي مَوْضِعِ الْمَأْخُوذِ وَمَصْرِفِهِ , فَقِيلَ: يُوضَعُ مَوْضِعَ الصَّدَقَةِ لِأَنَّهُ قَدْرُ الْوَاجِبِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عِنْدَهُ , فَلَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهُ أَيْضًا . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ , لِأَنَّ مَالَ الصَّدَقَةِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مَالًا مَأْخُوذًا مِنْ كَافِرٍ , فَيُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ . وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إلَى وُجُوبِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ مَعًا , فَأَمَّا الْعُشْرُ فَاسْتِصْحَابًا , وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَغُرْمٌ يَلْحَقُهُ بِمَصِيرِهَا إلَيْهِ

وَقْتُ اسْتِيفَاءِ الْخَرَاجِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت