فهرس الكتاب
3 -وَتَتَأَلَّفُ الدَّوْلَةُ مِنْ مَجْمُوعَةٍ مِنْ النُّظُمِ وَالْوِلَايَاتِ بِحَيْثُ تُؤَدِّي كُلُّ وِلَايَةٍ مِنْهَا وَظِيفَةً خَاصَّةً مِنْ وَظَائِفِ الدَّوْلَةِ , وَتَعْمَلُ مُجْتَمَعَةً لِتَحْقِيقِ مَقْصِدٍ عَامٍّ , وَهُوَ رِعَايَةُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ . يَقُولُ الْمَاوَرْدِيُّ: ( الْإِمَامَةُ مَوْضُوعَةٌ لِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا ) وَالْإِمَامُ هُوَ مَنْ تَصْدُرُ عَنْهُ جَمِيعُ الْوِلَايَاتِ فِي الدَّوْلَةِ . وَيَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:"فَالْمَقْصُودُ الْوَاجِبُ بِالْوِلَايَاتِ إصْلَاحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُمْ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا , وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا , وَإِصْلَاحُ مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ". وَيَقُولُ ابْنُ الْأَزْرَقِ:"إنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ - يَعْنِي وُجُوبَ نَصْبِ الْإِمَامِ - رَاجِعَةٌ إلَى النِّيَابَةِ عَنْ الشَّارِعِ فِي حِفْظِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا بِهِ , وَسُمِّيَ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ النِّيَابَةِ خِلَافَةً وَإِمَامَةً , وَذَلِكَ لِأَنَّ الدِّينَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي إيجَادِ الْخَلْقِ لَا الدُّنْيَا فَقَطْ". وَبَعْدَ هَذَا نَعْرِضُ إلَى مَجْمُوعِ الْوِلَايَاتِ فِي الدَّوْلَةِ وَمَا يَخُصُّ كُلًّا مِنْهَا مِنْ وَظَائِفَ:
أَوَّلًا: الْحَاكِمُ أَوْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ:
4 -الْإِمَامُ وَكِيلٌ عَنْ الْأُمَّةِ فِي خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا , وَيَتَوَلَّى مَنْصِبَهُ بِمُوجِبِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ . وَالْأَصْلُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يُبَاشِرَ إدَارَةَ الدَّوْلَةِ بِنَفْسِهِ , وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ هَذَا مُتَعَذِّرًا مَعَ اتِّسَاعِ الدَّوْلَةِ وَكَثْرَةِ وَظَائِفِهَا , وَتَعَدُّدِ السَّلِطَاتِ فِيهَا جَازَ لَهُ أَنْ يُنِيبَ عَنْهُ مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ السُّلُطَاتِ مِنْ وُلَاةٍ , وَأُمَرَاءَ , وَوُزَرَاءَ , وَقُضَاةٍ , وَغَيْرِهِمْ , وَيَكُونُونَ الْوُكَلَاءَ عَنْهُ فِي إدَارَةِ مَا وُكِّلَ إلَيْهِمْ مِنْ أَعْمَالٍ . فَإِدَارَةُ الْإِمَامِ ; لِلدَّوْلَةِ دَائِرَةٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا عَنْ النَّاسِ وَنَائِبًا عَنْهُمْ , وَبَيْنَ أَنْ يُنِيبَ هُوَ وَيُوَكِّلَ مَنْ يَقُومُ بِأَعْبَاءِ الْحُكْمِ شَرِيطَةَ أَلَّا يَنْصَرِفَ عَنْ النَّظَرِ الْعَامِّ فِي شُئُونِ الدَّوْلَةِ , وَمُطَالَعَةِ كُلِّيَّاتِ الْأُمُورِ مَعَ الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ مَنْ يُوَلِّيهِمْ ; لِيَتَحَقَّقَ مِنْ كِفَايَتِهِمْ لِمَنَاصِبِهِمْ . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: ( إمَامَةٌ كُبْرَى ) .
ثَانِيًا: وَلِيُّ الْعَهْدِ:
5 -وَهُوَ مَنْ يُوَلِّيهِ الْإِمَامُ عَهْدَ الْإِمَامَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ . وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ تَصَرُّفٌ فِي شُئُونِ الدَّوْلَةِ مَا دَامَ الْإِمَامُ حَيًّا , وَلَا يَلِي شَيْئًا فِي حَيَاةِ الْإِمَامِ , وَإِنَّمَا تَبْدَأُ إمَامَتُهُ وَسُلْطَتُهُ بِمَوْتِ الْإِمَامِ , فَتَصَرُّفُهُ كَالْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِشَرْطٍ , وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ عَزْلُ وَلِيِّ الْعَهْدِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ ; لِأَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ , فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْلُهُ , قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ خَلْعِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ; لِمَنْ بَايَعُوهُ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: ( إمَامَةٌ كُبْرَى ) .
ثَالِثًا: أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ:
6 -وَوَجْهُ اعْتِبَارِهِمْ سُلْطَةً مُسْتَقِلَّةً أَنَّ لَهُمْ قُدْرَةَ الْقِيَامِ بِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ وَاجِبَاتِ الدَّوْلَةِ وَهِيَ: أ - اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَمُبَايَعَتُهُ . ب - اسْتِئْنَافُ بَيْعَةِ وَلِيِّ الْعَهْدِ عِنْدَ تَوْلِيَتِهِ إمَامًا , حَيْثُ تُعْتَبَرُ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ فِيهِ مِنْ وَقْتِ الْعَهْدِ إلَيْهِ , فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ فَاسِقًا وَقْتَ الْعَهْدِ وَكَانَ بَالِغًا عَدْلًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَلِّي لَمْ تَصِحَّ خِلَافَتُهُ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ بَيْعَتَهُ . ج - تَعْيِينُ نَائِبٍ عَنْ وَلِيِّ الْعَهْدِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ عِنْدَ مَوْتِ الْخَلِيفَةِ . د - خَلْعُ الْإِمَامِ إذَا قَامَ مَا يُوجِبُ خَلْعَهُ . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ:"أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ".
رَابِعًا: الْمُحْتَسِبُ: