36 -عَلَى الْعَاشِرِ أَنْ يُرَاعِيَ عِنْدَ أَخْذِهِ الْعُشْرَ الْأُمُورَ التَّالِيَةَ: أ - أَنْ لَا يَتَعَدَّى عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُعَامِلَهُمْ بِهِ , فَلَا يَأْخُذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ , وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَثِلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْحَاكِمُ . ب - أَنْ لَا يُكَرِّرَ أَخْذَ الْعُشْرِ . فَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ أَنَّهُ مَدّ حَبْلًا عَلَى الْفُرَاتِ , فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ فَأَخَذَ مِنْهُ , ثُمَّ انْطَلَقَ فَبَاعَ سِلْعَتَهُ فَلَمَّا رَجَعَ مَرَّ عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ , فَقَالَ: كُلَّمَا مَرَرْت عَلَيْك تَأْخُذُ مِنِّي ؟ قَالَ: نَعَمْ , فَرَحَلَ الرَّجُلُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَجَدَهُ بِمَكَّةَ يَخْطُبُ النَّاسَ , قَالَ فَقُلْت لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , إنِّي رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ مَرَرْت عَلَى زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ فَأَخَذَ مِنِّي , ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَبِعْت سِلْعَتِي , ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِّي , قَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ , لَيْسَ لَهُ عَلَيْك فِي مَالِكَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً , ثُمَّ نَزَلَ , فَكَتَبَ إلَيْهِ فِي , وَمَكَثْتُ أَيَّامًا ثُمَّ أَتَيْته , فَقُلْت: أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ الَّذِي كَلَّمْتُك فِي زِيَادٍ , فَقَالَ: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفِيُّ قَدْ قَضَيْت حَاجَتَكَ . ج - أَنْ يَكْتُبَ الْعَاشِرُ كِتَابًا لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ , فَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِهِ الْخَرَاجِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى رُزَيْقِ بْنِ حَيَّانَ وَكَانَ عَلَى مَكْسِ مِصْرَ - يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُمْ إلَى مِثْلِهَا فِي الْحَوْلِ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الْعَاشِرَ لَا يَكْتُبُ بَرَاءَةً بِمَا يَأْخُذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا يَكْتُبُ إلَى تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّ أَخْذَ الْعُشْرِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ دُخُولِ الْحَرْبِيِّ دَارَ الْإِسْلَامِ وَاخْتِلَافِ الذِّمِّيِّ بِتِجَارَتِهِ عَلَى الْعَاشِرِ .
د - ( الرِّفْقُ بِأَهْلِ الْعُشْرِ ) :
37 -يَنْبَغِي لِلْعَاشِرِ أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا بِأَهْلِ الْعُشْرِ عِنْدَ اسْتِيفَائِهَا مِنْهُمْ , فَلَا يُؤَخِّرَهُمْ وَلَا يَظْلِمَهُمْ وَلَا يُتْلِفَ بَضَائِعَهُمْ عِنْدَ مُعَايَنَتِهَا أَوْ تَفْتِيشِهَا , وَيَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الْقِيمَة . فَإِذَا أَرَادَ الْعَاشِرُ اسْتِيفَاءَ الْعُشْرِ مِنْ الْأَمْوَالِ التِّجَارِيَّةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ الْعَيْنِ , أَوْ مِنْ الْقِيمَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي: قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُؤْخَذُ مِنْ عَيْنِ السِّلْعَةِ الْوَارِدَةِ , فَإِنْ كَانَتْ مَتَاعًا أُخِذَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ نَقْدًا أُخِذَ مِنْهُ , وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْخَمْرَ يُؤْخَذُ مِنْ قِيمَتِهَا . وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ , فَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عُشْرُ مَا يَنْقَسِمُ , قِيَاسًا عَلَى زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ , وَأَمَّا مَا لَا يَنْقَسِمُ فَيُؤْخَذُ عُشْرُ الْقِيمَةِ , وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إلَى أَنَّ الْعَاشِرَ يَأْخُذُ الْقِيمَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ , سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ; لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ تُحَوَّلُ وَتَخْتَلِفُ فَيَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا تُحِيلُهُ الْأَسْوَاقُ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ الْعَيْنُ , فَيُؤْخَذُ مِنْ نَفْسِ الْمَتَاعِ , بِدَلِيلِ فِعْلِ عُمَرَ رضي الله عنه إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الْعُشُورِ الْأَخْذَ مِنْ الثَّمَنِ
.الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لِاسْتِيفَاءِ الْعُشُورِ:
الْقَبَالَةُ ( التَّضْمِينُ ) 38 - الْقَبَالَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ قَبَلَ ( بِفَتْحِ الْبَاءِ ) قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:"كُلُّ مَنْ تَقَبَّلَ بِشَيْءٍ مُقَاطَعَةً , وَكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْكِتَابِ , فَعَمَلُهُ الْقِبَالَةُ ( بِالْكَسْرِ ) , وَكِتَابُهُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ هُوَ الْقَبَالَةُ ( بِالْفَتْحِ ) . وَفِي الِاصْطِلَاحِ: أَنْ يَدْفَعَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ صَقْعًا أَوْ بَلْدَةً إلَى رَجُلٍ مُدَّةَ سَنَةٍ مُقَاطَعَةً بِمَالٍ يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ عَنْ عُشُورِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ , وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا , وَهِيَ تُسَمَّى بِالتَّضْمِينِ أَوْ الِالْتِزَامِ . وَقَدْ يَقَعُ فِي جِبَايَةِ الْعُشُورِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ظُلْمٌ لِأَهْلِ الْعُشُورِ أَوْ غَبَنٌ لِبَيْتِ الْمَالِ , وَلِذَلِكَ مَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ ابْنُ عَابِدِينَ إلَى مَنْعِهَا"
.مُسْقِطَاتُ الْعُشْرِ: