فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 743

وذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أنّ ملكيّة الأخماس الأربعة في الكنز الموجود في أرضٍ مملوكةٍ للواجد أو غيره ليست للواجد ولا لمالك الأرض , وإنّما يرجع هذا الملك إلى المختطّ له الأوّل الّذي انتقلت إليه ملكيّة الأرض بما فيها بعد تقسيم الإمام لها عقب فتحها على أيدي الجيش المسلم , ويعرّف المرغيناني المختطّ له بأنّه هو الّذي ملّكه الإمام هذه البقعة أوّل الفتح , ويعقّب الكمال على هذا بقوله: لا نقول إنّ الإمام يملّك المختطّ له الكنز بالقسمة , بل يملّكه البقعة ويقرّر يده فيها ويقطع مزاحمة سائر الغانمين فيها , وإذا صار مستوليًا عليها أقوى الاستيلاءات , وهو بيد خصوص الملك السّابقة فيملك بها ما في الباطن من المال المباح , للاتّفاق على أنّ الغانمين لم يعتبر لهم ملك في هذا الكنز بعد الاختطاط , وإلا لوجب صرفه إليهم أو إلى ذراريّهم , فإن لم يعرفوا وضع في بيت المال واللازم منتفٍ , ثمّ إذا ملكه - أي الكنز - لم يصر مباحًا فلا يدخل في بيع الأرض , فلا يملكه مشتري الأرض كالدرّة في بطن السّمكة يملكها الصّائد لسبق يد الخصوص إلى السّمكة حال إباحتها , ثمّ لا يملكها مشتري السّمكة لانتفاء الإباحة , وما ذكر في السّمكة من الإطلاق ظاهر الرّواية .

أمّا إن لم يعرف هذا المختط له ولا ورثته فإنّما يستحق الكنز أقصى مالكٍ يعرف في الإسلام , وهو اختيار السّرخسيّ , خلافًا لأبي اليسر البزدويّ الّذي اختار استحقاق بيت المال للكنز , يقول السّرخسي: إن كان المختط له باقيًا أو وارثه دفع إليه , وإلا فهو لأقصى مالكٍ يعرف لهذه البقعة في الإسلام , وهذا قول أبي حنيفة ومحمّدٍ , ولعلّ أبا اليسر قد نظر إلى تعذر التّعرف على المختطّ له في عصره فأوجب ملك الأربعة الأخماس لبيت المال .

وقال المالكيّة: إن ملّكت الأرض بإرثٍ فأربعة الأخماس الباقية لمالكها , وإن ملّكت بشراءٍ أو هبةٍ فهي للبائع الأصليّ أو الواهب إن علم وإلا فلقطة , وقيل لمالكها في الحال .

وقالوا: إنّ ملك ما يوجد من الكنوز في أرضٍ مملوكةٍ بشراءٍ أو ما يشبهه يختص بمالك تلك الأرض حكمًا وهو الجيش الّذي فتحها عنه , فيدفع الباقي لمن وجد منهم , فإن لم يوجد الجيش فلوارثه إن وجد , فإن انقرض الوارث فقال سحنون: إنّه لقطة فيجوز التّصدق به عن أربابه ويُعمل فيه ما يعمل في اللقطة , وقال بعضهم: إذا انقرض الوارث حلّ محلّه بيت المال من أوّل الأمر , لأنّه مال جهلت أربابه , وهذا هو المعتمد وهو ما مشى عليه الشّارح , وكان مالك يقول: كل كنزٍ وجد من دفن الجاهليّة في بلاد قومٍ صالحوا عليها فأراه لأهل تلك الدّار الّذين صالحوا عليها , وليس هو لمن أصابه , وما أصيب في أرض العتق فأراه لجماعة مسلمي أهل تلك البلاد الّذين افتتحوها , وليس هو لمن أصابه دونهم , لأنّ ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها فهو لجميع أهل تلك البلاد , ويخمّس .

وقال الشّافعيّة: إذا كان الرّكاز في أرضٍ انتقلت إلى واجده من غيره لم يحلّ للواجد أخذه , بل يلزمه عرضه على من ملك الأرض عنه , ثمّ الّذي قبله إن لم يدعه , ثمّ هكذا حتّى ينتهي إلى المحيي .

وذهب الحنابلة في الأصحّ إلى أنّ الأربعة الأخماس لواجدها لأنّها مال كافرٍ مظهورٍ عليه في الإسلام , فكان لمن ظهر عليه كالغنائم , وهذا قد ظهر عليه فوجب أن يملكه , وفي روايةٍ ثانيةٍ للحنابلة هي للمالك قبله إن اعترف به , وإن لم يعترف به فهي للّذي قبله كذلك إلى أوّل مالكٍ , فإن لم يعرف له أوّل مالكٍ فهو كالمال الضّائع الّذي لا يعرف له مالك .

ج - ما يوجد من الكنز في بلاد الإسلام في أرضٍ ملكها صاحبها بالإحياء فيخمّس ما يوجد , ويستحق المحيي الأخماس الأربعة الباقية .

ونصّ الحنابلة على أنّ الكنز للواجد إن وجده في أرضٍ ملكها بالإحياء أو انتقلت إليه بميراثٍ أو بيعٍ أو غير ذلك .

د - ما يوجد من الكنز في بلاد الإسلام في أرضٍ موقوفةٍ فالكنز لمن في يده الأرض , كذا ذكره البغوي

النّوع الثّاني: الكنوز الّتي يجدها المسلم أو الذّمّي في دار الحرب:

8 -فصّل الفقهاء أنواع ما يجده المسلم أو الذّمّي من كنوزٍ في دار الحرب على النّحو التّالي:

فقال المالكيّة والحنابلة: هو كموات دار الإسلام فيه الخمس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « وفي الرّكاز الخمس » .

وقال الحنفيّة: إذا وجد الكنز في أرضٍ ليست بمملوكةٍ لأحدٍ في دار الحرب فهو للواجد , ولا يخمّس , لأنّه مال أخذه لا عن طريق القهر والغلبة لانعدام غلبة أهل الإسلام على ذلك الموضع فلم يكن غنيمةً , ولا خمس فيه , ويكون الكل له , لأنّه مباح استولى عليه بنفسه فيملكه كالحطب والحشيش , وسواء دخل بأمانٍ أو بغير أمانٍ , لأنّ حكم الأمان يظهر في المملوك لا في المباح .

وفصّل الشّافعيّة فقالوا: إذا وجده في دار الحرب في مواتٍ لا يذبون عنه فهو كموات دار الإسلام فيه الخمس , لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « وفي الرّكاز الخمس » .

وإن وجده في مواتٍ في دار الحرب يذبون عنه ذبّهم عن العمران فالصّحيح أنّه ركاز كالّذي لا يذبون عنه لعموم الحديث .

9 -أمّا إن وجد الكنز في أرضٍ مملوكةٍ لأهل هذه الدّار فيفرّق الفقهاء بين حالين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت