أوّلهما: أن يدخل بأمانٍ فلا يحل له أخذ الكنز لا بقتالٍ ولا غيره , وليس له خيانتهم في أمتعتهم , فإن أخذه لزمه رده , قال الحنفيّة: ويرده إلى صاحب الأرض , وإلا ملكه ملكًا خبيثًا , لتمكن خبث الخيانة فيه فسبيله التّصدق به , ولو باعه يجوز بيعه لكن لا يطيب للمشتري , بخلاف بيع المشترى شراءً فاسدًا , ويعد سارقًا إن أخذه خفيةً , ومختلسًا إن أخذه جهارًا .
والثّاني: أن يكون قد دخل بغير أمانٍ فيحل للواجد أن يأخذ ما يظفر به من كنوزهم ولا شيء فيه عند الحنفيّة إن كان أخذه بغير قتالٍ , أمّا إن كان أخذه على سبيل القهر والغلبة بقتالٍ وحربٍ كما لو دخل جماعة ممتنعون في دار الحرب فظفروا بشيءٍ من كنوزهم يجب فيه الخمس ، لكونه غنيمةً لحصول الأخذ عن طريق القهر والغلبة .
وقال الشّافعيّة: إن وجد في موضعٍ مملوكٍ لهم نظر: إن أخذ بقهرٍ وقتالٍ فهو غنيمة كأخذ أموالهم ونقودهم من بيوتهم فيكون خمسه لأهل خمس الغنيمة وأربعة أخماسه لواجده , وإذا أخذ بغير قتالٍ ولا قهرٍ فهو فيء ومستحقه أهل الفيء , كذا ذكره إمام الحرمين .
ملكيّة الكنز:
تناول الفقهاء أحكام ملكيّة الكنز من حيث طبيعة ملكيّة الخمس وسبب ملكيّة الأربعة أخماس الباقية والعلاقة بين ملكيّة الأرض وملكيّة الكنوز الّتي توجد فيها .
أ - ملكيّة الخمس:
10 -يميّز فقهاء الحنفيّة بين نوعين من الحقوق:
أوّلهما: الحقوق المتعلّقة بذمّة أحدٍ من العباد , كدين القرض في ذمّة المقترض , والثّمن في ذمّة المشتري , والأجرة في ذمّة المستأجر , وقيمة المغصوب أو مثله في ذمّة الغاصب , والمهر والنّفقة في ذمّة الزّوج .
الثّاني: الحقوق القائمة بنفسها المتعلّقة بالأشياء ذاتها لا في ذمّة أحدٍ , وهي الّتي عرّفها صدر الشّريعة بأنّها حقوق قائمة بنفسها لا تجب في ذمّة أحدٍ كخمس الغنائم والمعادن , فالخمس فيهما مفروض على عين الغنائم والمعادن قبل الاستيلاء أو الكشف , دون نظرٍ إلى شخص الغانم أو الواجد للمعدن . وقد نصّ الحنفيّة على أنّ الخمس للفقراء , والواجد منهم , والأربعة الأخماس للواجد إذا لم تبلغ مائتي درهمٍ , فإن بلغت لم يجز له الأخذ من الخمس .
قال السّرخسي: من أصاب كنزًا أو معدنًا وسعه أن يتصدّق بخمسه على المساكين , فإذا اطلع الإمام على ذلك أمضى له ما صنع , لأنّ الخمس حق الفقراء وقد أوصله إلى مستحقّه .
وقال الكاساني: يجوز دفع الخمس إلى الوالدين والمولودين إذا كانوا فقراء بخلاف الزّكاة والعشر , ويجوز للواجد أن يصرفه في مصالحه إذا كان محتاجًا ولا تغنيه الأربعة الأخماس الباقية بأن كانت تقل عن المائتين , أمّا إذا بلغت الأخماس الأربعة المائتين فليس للواجد الأخذ من الخمس لغناه , ولا يقال ينبغي ألا يجب الخمس مع الفقر كاللقطة , لأنّا نقول إنّ النّصّ عام فيتناوله .
وقال المالكيّة: خمس الرّكاز مصرفه ليس كمصرف الزّكاة وإنّما هو كخمس الغنائم يحل للأغنياء وغيرهم , ويجب الخمس في الرّكاز ولو كان الواجد عبدًا أو كافرًا أو صبيًا أو مدينًا , وإن احتاج إلى كبير عملٍ في تخليصه وإخراجه من الأرض ففيه الزّكاة ربع العشر , ولا يشترط لوجوب الزّكاة بلوغ النّصاب ولا غيره من شروط الزّكاة .
وقال الشّافعيّة: في الرّكاز الخمس يصرف مصرف الزّكاة على المشهور , لأنّه حق واجب في المستفاد من الأرض , فأشبه الواجب في الزّرع والثّمار , ولا بدّ أن يكون الواجد أهلًا للزّكاة .
والثّاني: أنّه يصرف لأهل الخمس , لأنّه مال جاهلي حصل الظّفر به من غير إيجاف خيلٍ ولا ركابٍ , فكان كالفيء , وعليه فيجب على المكاتب والكافر من غير احتياجٍ لنيّةٍ . وشرطه النّصاب - ولو بالضّمّ - والنّقد أي الذّهب والفضّة وإن لم يكن مضروبًا على المذهب , لأنّه مال مستفاد من الأرض فاختصّ بما تجب فيه الزّكاة قدرًا ونوعًا كالمعدن . والثّاني: لا يشترطان للخبر المارّ , ولا يشترط الحول بلا خلافٍ .
والمذهب عند الحنابلة: أنّ الخمس يكون مصرفه مصرف الفيء , اختاره ابن أبي موسى والقاضي وابن عقيلٍ , ويجب الخمس على كلّ من وجده من مسلمٍ وذمّيٍّ وحرٍّ وعبدٍ ومكاتبٍ وكبيرٍ وصغيرٍ وعاقلٍ ومجنونٍ , إلا أنّ الواجد له إذا كان عبدًا فهو لسيّده , وإن كان صبيًا أو مجنونًا فهو لهما ويخرج عنهما وليهما .
وفي روايةٍ عن أحمد: أنّه زكاة , جزم به الخرقي , وإن تصدّق به على المساكين أجزأه لأنّ عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أمر صاحب الكنز أن يتصدّق به على المساكين . وإذا كان الخمس زكاةً فلا تجب على من ليس من أهلها .
ب - ملكيّة الأخماس الأربعة:
11 -يملك واجد الكنز ما يبقى منه بعد صرف الخمس بالشروط التّالية:
أوّلًا: أن يكون الواجد مسلمًا أو ذمّيًا , فإن كان حربيًا اشترط سبق إذن الإمام له بالعمل في التّنقيب عن الكنوز , ويتقيّد حقه في الكنز باتّفاقه مع الإمام , وقد نصّ فقهاء المذهب الحنفيّ على أنّ الحربيّ إذا عمل في المفاوز بإذن الإمام على شرطٍ فله المشروط .
ثانيًا: أن يكون الكنز من دفين الجاهليّة لم يدخل في ملك مسلمٍ ولا ذمّيٍّ وإلا أخذ الكنز حكم اللقطة
ثالثًا: أن يوجد الكنز في أرضٍ غير مملوكةٍ لأحدٍ كالجبال والمفاوز والطرق المهجورة الّتي لا يأتيها المسلمون ولا أهل الذّمّة .
ونصّ الشّافعيّة على أنّ الواجد يملك الرّكاز , لأنّه كسب له فيملكه بالاكتساب , وإذا ملكه وجبت الزّكاة فيه وهي الخمس لأنّه من أهلها .