فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 743

وزاد الشّافعيّة كما نقله النّووي عن ابن الحدّاد: للمستأمن أن يدخل دار الإسلام من غير تجديد أمان لتحصيل ذلك المال , والدخول للمال يؤمّنه كالدخول لرسالة , وسماع كلام اللّه تعالى , ولكن ينبغي أن يعجّل في تحصيل غرضه , وكذا لا يكرّر العود لأخذ قطعة من المال في كلّ مرّة , فإن خالف تعرّض للقتل والأسر , وقال غير ابن الحدّاد: ليس له الدخول , لأنّ ثبوت الأمان في المال لا يوجب ثبوته في النّفس .

28 -ويترتّب على عدم بطلان الأمان في ماله أنّه إن طلبه صاحبه بعث إليه .

وإن تصرّف فيه ببيع أو هبة أو غيرهما صحّ تصرفه .

وإن مات في دار الحرب انتقل إلى وارثه مع بقاء الأمان فيه كما نصّ عليه الحنابلة , وهو الأظهر عند الشّافعيّة قياسًا على سائر الحقوق من الرّهن والشفعة , وبه قال الحنفيّة كما يأتي .

وقال الشّافعيّة في قول: يبطل الأمان في الحال في هذه الحالة ويكون فيئًا لبيت المال , لأنّه قد صار لوارثه , ولم يعقد فيه أمانًا , فوجب أن يبطل فيه كسائر أمواله , ولأنّ الأمان يثبت في المال تبعًا .

وإن لم يكن له وارث , صار فيئًا كما قال الحنابلة والشّافعيّة .

وعند الشّافعيّة في بقاء الأمان في ماله قول ثالث: وهو أنّه إذا لم يتعرّض للأمان في ماله حصل الأمان فيه تبعًا , فيبطل فيه تبعًا , وإن ذكره في الأمان لم يبطل .

29 -وأمّا الأولاد فقد نصّ الشّافعيّة على أنّه لا يسبي أولاده , فإذا بلغوا وقبلوا الجزية تركوا , وإلّا بلغوا المأمن .

30 -أمّا إن أسر , بأن وجده مسلم فأسره , أو غلب المسلمون على أهل دار الحرب , فأخذوه أو قتلوه , وكان له دين على مسلم أو ذمّيٍّ أو وديعة عندهما , فقد نصّ الحنفيّة على أنّه يسقط دينه , لأنّ إثبات اليد على الدّين بالمطالبة , وقد سقطت , ويد من عليه الدّين أسبق إليه من يد العامّة , فيختص به فيسقط , ولا طريق لجعله فيئًا لأنّه الّذي يؤخذ قهرًا , ولا يتصوّر ذلك في الدّين .

وكذلك الحكم لو أسلم إلى مسلم دراهم على شيء , وما غصب منه وأجرة عين أجّرها , وكل ذلك لسبق اليد .

31 -وأمّا وديعته عند مسلم أو ذمّيٍّ أو غيرهما , وما عند شريكه ومضاربه وما في بيته في دار الإسلام فيصير فيئًا عند الحنفيّة ; لأنّ الوديعة في يده تقديرًا , لأنّ يد المودع كيده فيصير فيئًا تبعًا لنفسه , وكذلك ما عند شريكه ومضاربه وما في بيته .

32 -واختلف الحنفيّة في الرّهن: فعند أبي يوسف للمرتهن بدينه , وعند محمّد يباع ويستوفى دينه , والزّيادة فيء للمسلمين , قال ابن عابدين: وينبغي ترجيح قول محمّد , لأنّ ما زاد على قدر الدّين في حكم الوديعة .

33 -وإن مات أو قتل بلا غلبة عليه , فماله من القرض والوديعة لورثته لأنّ نفسه لم تصر مغنومةً فكذا ماله , كما لو ظهر عليه فهرب فماله له , وكذا دينه حال حياته قبل الأسر .

م - ما يجوز للمستأمن حمله في الرجوع إلى دار الحرب:

34 -نصّ الحنفيّة على أنّه لا يمكّن المستأمن إذا أراد الرجوع إلى دار الحرب أن يحمل معه سلاحًا اشتراه من دار الإسلام , لأنّهم يتقوّون به على المسلمين , ولا يجوز إعطاء الأمان له ليكتسب به ما يكون قوّةً لأهل الحرب على قتال المسلمين , وله أن يخرج بالّذي دخل به .

فإن باع سيفه واشترى به قوسًا أو نشّابًا أو رمحًا مثلًا لا يمكّن منه , وكذا لو اشترى سيفًا أحسن منه , فإن كان مثل الأوّل أو دونه مكّن منه .

الدخول إلى دار الإسلام بغير أمان:

يختلف حكم من دخل دار الإسلام بغير أمان باختلاف الأحوال على النّحو التّالي:

أ - ادّعاء كونه رسولًا:

35 -من دخل دار الإسلام وقال: أنا رسول الملك إلى الخليفة , لم يصدّق كما صرّح به الحنفيّة والحنابلة إلّا إذا أخرج كتابًا يشبه أن يكون كتاب ملكهم , فهو آمن حتّى يبلّغ رسالته ويرجع , لأنّ الرّسول آمن كما جرى به الرّسم جاهليّةً وإسلامًا , ولأنّ القتال أو الصلح لا يتم إلّا بالرسل , فلا بدّ من أمان الرّسول ليتوصّل إلى ما هو المقصود , وإن لم يخرج كتابًا أو أخرج ولم يعلم أنّه كتاب ملكهم , فهو وما معه فيء , لأنّ الكتاب قد يفتعل .

وقال الشّافعيّة: يصدّق سواء كان معه كتاب أم لا , ولا يتعرّض له لاحتمال ما يدّعيه . وذكر الروياني تفصيلًا في الرّسول فقال: وما أشتهر أنّ الرّسول آمن هو في رسالة فيها مصلحة للمسلمين من هدنة وغيرها , فإن كان رسولًا في وعيد وتهديد , فلا أمان له , ويتخيّر الإمام فيه بين الخصال الأربع كأسير , أي: القتل , أو الاسترقاق , أو المن عليه , أو المفاداة بمال أو نفس , إلّا أنّ المعتمد عند الشّافعيّة الأوّل .

ب - ادّعاء كونه تاجرًا:

36 -لو دخل الحربي دارنا وقال: إنّه تاجر وقال: ظننت أنّكم لا تعرضون لتاجر , والحال أنّه تاجر , فنصّ المالكيّة على أنّه يقبل منه , ويرده إلى مأمنه , وكذلك الحكم إذا أخذ بأرضهم , أو بين أرض العدوّ وأرضنا , وادّعى التّجارة , أو قال: جئت أطلب الأمان , حيث يرد لمأمنه .

وقال الشّافعيّة: قصد التّجارة لا يفيد الأمان , ولكن لو رأى الإمام مصلحةً في دخول التجّار, فقال: من دخل تاجرًا فهو آمن , جاز , ومثل هذا الأمان لا يصح من الآحاد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت