فهرس الكتاب
56 -ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّ المستأمن إذا دخل دار الإسلام بتجارة يؤخذ منه عشر تجارته أو أكثر أو أقلّ على اختلاف الأقوال بين المذاهب .
واختلفوا أيضًا في شروط أخذ العشر من المستأمن من البلوغ والعقل والذكورة . كما أنّهم اختلفوا في المقدار الواجب في تجارته والمدّة الّتي يجزئ عنها العشر , ووقت استيفائه . والتّفصيل في مصطلح ( عشر ف / 11 , 15 16 , 17 , 26 , 29 , 30 ) .
ما يرضخ للمستأمن من مال الغنيمة:
57 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لو باشر المستأمن القتال بإذن الإمام , فهو بمنزلة أهل الذّمّة في استحقاق الرّضخ .
وقال المالكيّة: لا يرضخ للمستأمن كما لا يسهم للذّمّيّ .
والتّفصيل في مصطلح ( غنيمة ف / 3 ) .
ما يستحقّه للمستأمن من الكنز والمعدن:
58 -إذا وجد المستأمن في دارنا كنزًا أو معدنًا فقد نصّ الحنفيّة على أنّه يؤخذ منه كله , لأنّ هذا في معنى الغنيمة , ولا حقّ لأهل الحرب في غنائم المسلمين رضخًا ولا سهمًا .
وإن عمل في المعدن بإذن الإمام , أخذ منه الخمس , وما بقي فهو له , لأنّ الإمام شرط له ذلك لمصلحة , فعليه الوفاء بما شرط , كما لو استعان بهم في قتال أهل الحرب فرضخ لهم, فهذا مثله .
تحول المستأمن إلى ذمّيٍّ:
59 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المستأمن يصير ذمّيًا بأن يمكث المدّة المضروبة له , أو بأن يشتري أرض خراج ووضع عليه الخراج , أو بأن تتزوّج المرأة المستأمنة مسلمًا , أو ذمّيًا , لأنّها التزمت البقاء تبعًا للزّوج . وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( أهل الذّمّة ف / 12 - 15 ) .
استئمان المسلم:
60 -إذا دخل المسلم دار الكفّار بأمان صار مستأمنًا كما نصّ عليه جمهور الفقهاء ويترتّب على استئمانه أحكام على النّحو التّالي:
أ - حرمة خيانة الكفّار والغدر بهم:
61 -نصّ جمهور الفقهاء على أنّه تحرم على المسلم الّذي دخل دار الكفّار بأمان خيانتهم, فلا يحل له أن يتعرّض لشيء من أموالهم ودمائهم وفروجهم , لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: « المسلمون على شروطهم » , ولأنّه بالاستئمان ضمن لهم أن لا يتعرّض بهم , وإنّما أعطوه الأمان بشرط عدم خيانتهم , وإن لم يكن ذلك مذكورًا في اللّفظ , فهو معلوم في المعنى , ولا يصلح في ديننا الغدر .
واستثنى الحنفيّة حالة ما إذا غدر بالمسلم ملكهم , فأخذ أمواله أو حبسه , أو فعل غير الملك ذلك بعلمه ولم يمنعه , لأنّهم هم الّذين نقضوا العهد .
فإن خان المسلم المستأمن الكفّار , أو سرق منهم , أو اقترض منهم شيئًا , فنصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه يجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه , فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان أو إيمان ردّه عليهم , وإلّا بعث به إليهم لأنّه أخذه على وجهٍ حرم عليه أخذه فلزمه رد ما أخذ , كما لو أخذه من مال مسلم , ولأنّه ليس له التّعرض لهم إذا دخل بأمان .
وقال الحنفيّة: إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان وأخرج إلينا شيئًا ملكه ملكًا حرامًا , لأنّه ملكه بالغدر , فيتصدّق به وجوبًا , ولو لم يخرجه ردّه عليهم .
ب - معاملات المستأمن المسلم الماليّة:
62 -نصّ جمهور الحنفيّة على أنّه لو أدّان حربي المسلم المستأمن دينًا ببيع أو قرض , أو أدّان هو حربيًا , أو غصب أحدهما صاحبه مالًا , ثمّ خرج المسلم إلينا واستأمن الحربي فخرج إلينا مستأمنًا , لم يقض لواحد منهما على صاحبه بشيء .
أما الإدانة: فلأنّ القضاء يعتمد الولاية , ولا ولاية وقت الإدانة أصلًا على واحد منهما , إذ لا قدرة للقاضي فيه على من هو في دار الحرب , ولا وقت القضاء على المستأمن , لأنّه ما التزم أحكام الإسلام فيما مضى من أفعاله وإنّما التزمه فيما يستقبل .
وأمّا أنّه لا يقضي بالغصب لكلّ منهما فلأنّ المال المغصوب صار ملكًا للّذي غصبه , سواء كان الغاصب كافرًا في دار الحرب أو مسلمًا مستأمنًا واستولى عليه , لمصادفته مالًا مباحًا غير معصوم , فصار كالإدانة .
وقال أبو يوسف يقضي بالدّين على المسلم دون الغصب لأنّه التزم أحكام الإسلام حيث كان . قال الحصكفيّ نقلًا عن الزّيلعيّ , والكمال ابن الهمام: ويفتى بردّ المغصوب والدّين ديانةً لا قضاءً , لأنّه غدر .
وعند الشّافعيّة والحنابلة يجب رد ما أخذ إلى أربابه .
ج - قتال المسلم المستأمن في دار الحرب:
63 -نصّ الحنفيّة على أنّه لو أغار قوم من أهل الحرب على أهل الدّار الّتي فيها المسلم المستأمن , لا يحل له قتال هؤُلاء الكفّار إلّا إن خاف على نفسه , لأنّ القتال لمّا كان تعريضًا لنفسه على الهلاك لا يحل إلّا لذلك , أو لإعلاء كلمة اللّه , وهو إذا لم يخف على نفسه , ليس قتاله لهؤُلاء إلّا إعلاءً للكفر
ولو أغار أهل الحرب الّذين فيهم مسلمون مستأمنون على طائفة من المسلمين , فأسروا ذراريّهم , فمروا بهم على أولئك المستأمنين , وجب عليهم أن ينقضوا عهودهم , ويقاتلوهم إذا كانوا يقدرون عليه , لأنّهم لا يملكون رقابهم فتقريرهم في أيديهم تقرير على الظلم , ولم يضمن المسلمون المستأمنون ذلك لهم , بخلاف الأموال , لأنّهم ملكوها بالإحراز وقد ضمنوا لهم أن لا يتعرّضوا لأموالهم .
وكذلك لو كان المأخوذ ذراريّ الخوارج , لأنّهم مسلمون .
د - قتل المستأمن المسلم مسلمًا آخر في دار الحرب: