فهرس الكتاب
49 -لا خلاف بين الفقهاء في جواز شهادة المسلم على غير المسلم , سواء المستأمن وغيره , لما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: « لا تجوز شهادة ملّة على ملّة إلّا أمّتي تجوز شهادتهم على من سواهم » , ولأنّ اللّه تعالى أثبت للمؤمنين شهادةً على النّاس بقوله عزّ وجلّ: { لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ } , ولمّا قبلت شهادة المسلم على المسلم , فعلى الكافر أولى
كما أنّه لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز شهادة الكافر على المسلم .
وينظر في ذلك مصطلح ( شهادة ف / 20 ) .
شهادة الكفّار بعضهم على بعض:
50 -اختلف الفقهاء في جواز شهادة الكفّار بعضهم على بعض فقال الجمهور بعدم الجواز. وذهب الحنفيّة إلى الجواز , وذلك على التّفصيل الآتي:
أ - شهادة الذّمّيّ على المسلمين:
51 -الأصل عند الحنفيّة أنّ حكم المستأمن مع الذّمّيّ في الشّهادة كحكم الذّمّيّ مع المسلم , وعليه فتقبل شهادة الذّمّيّ على المستأمن , لأنّ الذّمّيّ أعلى حالًا من المستأمن , لأنّه قَبِل خلف الإسلام وهو الجزية , فهو أقرب إلى الإسلام منه , ولأنّ الذّمّيّ بعقد الذّمّة صار كالمسلم في قبول شهادته على المستأمن .
ب - شهادة المستأمن على الذّمّيّ:
52 -بناءً على الأصل المذكور لا تقبل شهادة المستأمن على الذّمّيّ , ولأنّه لا ولاية له عليه , لأنّ الذّمّيّ من أهل دارنا بخلاف المستأمن , لأنّه ليس من دار الإسلام حقيقةً , وإنّه فيها صورةً , فكان الذّمّي أعلى حالًا من المستأمن .
ج - شهادة المستأمن على مستأمن آخر:
53 -تقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة , وأمّا إن كانوا من دارين مختلفين فلا تقبل .
إسلام المستأمن في دارنا:
54 -نصّ الحنفيّة على أنّه إذا دخل الحربي دارنا بأمان , وله امرأة في دار الحرب وأولاد صغار وكبار , ومال أودع بعضه ذمّيًا , وبعضه مسلمًا وبعضه حربيًا , فأسلم في دارنا , ثمّ ظهر على دار الحرب فهو فيء .
أما المرأة والأولاد الكبار فلكونهم حربيّين كبارًا , وليسوا بأتباع للّذي خرج , وكذلك ما في بطن المرأة لو كانت حاملًا لأنّه جزؤُها .
وأمّا الأولاد الصّغار , فلأنّ الصّغير إنّما يصير مسلمًا تبعًا لإسلام أبيه إذا كان في يده , وتحت ولايته , ولا يتحقّق ذلك مع تباين الدّارين , وأمّا أمواله فلأنّها لا تصير محرزةً لإحراز نفسه بالإسلام لاختلاف الدّارين , فيبقى الكل فيئًا وغنيمةً .
وأمّا لو دخل مع امرأته ومعهما أولاد صغار , فأسلم أحدهما , أو صار ذمّيًا , فالصّغار تبع له , بخلاف الكبار ولو إناثًا , لانتهاء التّبعيّة بالبلوغ عن عقل .
ولو أسلّم وله أولاد صغار في دارهم لم يتبعوه إلّا إذا خرجوا إلى دارنا قبل موت أبيهم .
موت المستأمن في دارنا:
55 -لو مات المستأمن في دارنا وله ورثة في بلاده , ومال في دارنا , فاختلف الفقهاء في تركته على النّحو التّالي:
نصّ الحنفيّة على أنّه ليس على الإمام إرسال مال المستأمن المتوفّى إلى ورثته إلى دار الحرب , بل يسلّمه إليهم إذا جاءوا إلى دار الإسلام , وأقاموا البيّنة على أنّهم ورثته ; لأنّ حكم الأمان باقٍ في ماله , فيرد على ورثته من بعده , قالوا: وتقبل بيّنة أهل الذّمّة هنا استحسانًا , لأنّ أنسابهم في دار الحرب لا يعرفها المسلمون , فصار كشهادة النّساء فيما لا يطّلع عليه الرّجال , ولا يقبل كتاب ملكهم ولو ثبت أنّه كتابه , لأنّ شهادته وحده لا تقبل , فكتابته بالأولى .
وذهب المالكيّة كما قال الدّردير إلى أنّه إن مات المؤمَّن عندنا فماله لوارثه إن كان معه وارثه عندنا - دخل على التّجهيز أم لا - وإلّا يكن معه وارثه أرسل المال لوارثه بأرضهم إن دخل عندنا على التّجهيز لقضاء مصالحه من تجارة أو غيرها , لا على الإقامة عندنا , ولم تطل إقامته عندنا , وإلّا بأن دخل على الإقامة أو على التّجهيز , ولكن طالت إقامته عندنا ففيء محله بيت مال المسلمين .
قال الصّاوي: أشار المصنّف ,"الدّردير"إلى الحالة الأولى بقوله: وإن مات عندنا فماله لوارثه . . إلخ , ولم يستوف الأحوال الأربعة , ونحن نبيّنها فنقول: أما الحالة الثّانية: وهي ما إذا مات في بلده وكان له عندنا نحو وديعة , فإنّها ترسل لوارثه , وأمّا الحالة الثّالثة: وهي أسره وقتله , فماله لمن أسره وقتله حيث حارب فأسره ثمّ قتل , وأمّا الحالة الرّابعة: وهي ما إذا قتل في معركة بينه وبين المسلمين من غير أسر , في ماله قولان , قيل: يرسل لوارثه , وقيل: فيء , ومحلهما إذا دخل على التّجهيز , أو كانت العادة ذلك ولم تطل إقامته , فإن طالت إقامته وقتل في معركة بينه وبين المسلمين كان ماله ولو وديعةً فيئًا قولًا واحدًا .
وعند الشّافعيّة لو مات المستأمن في دار الإسلام فالمذهب القطع بردّ المال إلى وارثه , لأنّه مات , والأمان باقٍ في نفسه فكذا في ماله , وفي قول عندهم: يكون فيئًا .
قالوا: وفي حكمه لو خرج المستأمن إلى دار الحرب غير ناقض للعهد , بل لرسالة أو تجارة ومات هناك , فهو كموته في دار الإسلام .
وعند الحنابلة يبعث مال المستأمن إلى ملكهم , يقول ابن قدامة: وقد نصّ أحمد في رواية الأثرم فيمن دخل إلينا بأمان , فقتل أنّه يبعث بديته إلى ملكهم حتّى يدفعها إلى الورثة .
أخذ العشر من المستأمن: