فهرس الكتاب

الصفحة 431 من 743

الوجه التاسع أن ما ذكروه حجة لنا وذلك أنه قد اشتهر عند أهل العلم من وجوه كثيرة أن قوله تعالى ( ^ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) نزلت في كعب بن الأشرف لما قاله لقريش وقد أخبر الله سبحانه أنه لعنه ومن لعنه فلن تجد له نصيرا وذلك دليل على أنه لا عهد له فلو كان له عهد لكان يجب نصره على المسلمين فعلم أن مثل هذا الكلام يوجب انتقاض عهده وعدم ناصره فكيف بما هو أغلظ منه من شتم وسب وإنما لم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم بمجرد ذلك ناقضا للعهد لأنه لم يعلن بهذا الكلام ولم يجهر به وإنما أعلم الله به رسوله وحيا كما تقدم في الأحاديث ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ أحدا من المسلمين والمعاهدين إلا بذنب ظاهر فلما رجع إلى المدينة وأعلن الهجاء والعداوة استحق أن يقتل لظهور أذاه وشهرته عند الناس . نعم من خيف منه الخيانة فإنه ينبذ إليه العهد أما إجراء حكم المحاربة عليه فلا يكون حتى يظهر المحاربة وتثبت عليه .

الوجه العاشر أن النفر الخمسة الذين قتلوه وهم محمد بن مسلمة وأبو نائلة وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبو عبس بن جبر قد أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخدعوه بكلام يظهرون به أنهم قد آمنوه ووافقوه ثم يقتلونه ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أمانا لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم آمنه صار مستأمنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال من آمن رجلا على دمه وماله ثم قتله فأنا منه بريء وإن كان المقتول كافرا +رواه أحمد . +وقال إذا آمنك الرجل على دمه فلا تقتله +رواه ابن ماجه . +

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان قيد الفتك لا يقتل مؤمن +رواه أهل السنن . + وقد زعم الخطابي أنهم إنما فتكوا به لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد قبل هذا وزعم أن مثل هذا جائز من الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغرة لكن يقال فهذا الكلام الذي كلموه به صار مستأمنا وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان . ومثل ذلك لا يجوز قتله لمجرد الكفر فإن الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمنا بأقل من هذا كما هو معروف في مواضعه وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه لله ورسوله ومن حل قتله بهذا الوجه لم يعصم دمه بأمان ولا بعهد كما لو آمن المسلم من وجب قتله لأجل قطع الطريق ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد الموجب للقتل أو آمن من وجب قتله لأجل زناه أو آمن من وجب قتله لأجل الردة أو لأجل ترك أركان الإسلام ونحو ذلك ولا يجوز له أن يعقد له عهدا سواء كان عقد أمان أو عقد هدنة أو عقد ذمة لأن قتله حد من الحدود وليس قتله لمجرد كونه كافرا حربيا كما سنذكره . أما الإغارة والبيات فليس هناك قول ولا فعل صاروا به آمنين ولا اعتقدوا أنهم قد أومنوا بخلاف قصة كعب بن الأشرف فثبت أن أذى الله ورسوله بالهجاء ونحوه لا يحقن معه الدم بالأمان فلأن لا يحقن معه بالذمة المؤبدة والهدنة المؤقتة بطريق الأولى فإن الأمان يجوز عقده لكل كافر ويعقده كل مسلم ولا يشترط على المستأمن شيء من الشروط والذمة لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه ولا يعقد إلا بشروط كثيرة تشرط على أهل الذمة من التزام الصغار ونحوه . فإن قيل كعب بن الأشرف سب النبي صلى الله عليه وسلم بالهجاء والشعر وهو كلام موزون يحفظ ويروى وينشد بالأصوات والألحان ويشتهر بين الناس وذلك له من التأثير والأذى والصد عن سبيل الله ما ليس للكلام المنثور ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر حسان أن يهجوهم ويقول إنه أنكى فيهم من النبل فيؤثر هجاؤه فيهم أثرا عظيما يمتنعون به من أشياء لا يمتنعون عنها لو سبوا بكلام منثور أضعاف الشعر .

وأيضا فإن كعب بن الأشرف وأم الولد المتقدمة تكرر منهما سب النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه والشيء إذا كثر واستمر صار له حال أخرى ليست له إذا انفرد وقد ذكرتم أن الحنفية يجيزون قتل من كثر منه مثل هذه الجريمة وإن لم يجيزوا قتل من لم يتكرر منه فأذن ما دل عليه الحديث يمكن المخالف أن يقول به . فالجواب من وجوه أحدها أن هذا يقتل لأن السب في الجملة من الذمي يقتضي إهدار دمه وانتقاض عهده ويبقى الكلام في الناقض للعهد هل هو نوع خاص من السب وهو ما كثر وغلظ أو هو مطلق السب هذا نظر آخر فما كان مثل هذا السب وجب أن يقال إنه مهدر لدم الذمي حتى لا يسوغ لأحد أن يخالف نص السنة فلو زعم زاعم أن شيئا من سب الذمي وأذاه لا يبيح دمه كان مخالفا للسنة الصحيحة الصريحة خلافا لا عذر فيه لأحد . الوجه الثاني لا ريب أن الجنس الموجب للعقوبة قد يتغلظ بعض أنواعه صفة أو قدرا أو صفة وقدرا فإنه ليس قتل واحد من الناس مثل قتل والد وعالم وصالح ولا ظلم بعض الناس مثل ظلم يتيم فقير بين أبوين صالحين وليست الجناية في الأوقات والأماكن والأحوال المشرفة كالحرم والإحرام والشهر الحرام كالجناية في غير ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت