فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 743

الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب إلى قتله لكونه ذهب إلى مكة وفعل ما فعل هناك وإنما ندب إلى قتله لما قدم وهجاه كما جاء ذلك مفسرا في حديث جابر المتقدم في قوله ثم قدم المدينة معلنا بعداوة النبي صلى الله عليه وسلم ثم بين أن أول ما قطع به العهد تلك الأبيات التي قالها بعد الرجوع وأن النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ندب إلى قتله وكذلك في حديث موسى بن عقبة من لنا من ابن الأشرف فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا . ويؤيد ذلك شيئان أحدهما أن سفيان بن عيينة روى عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد فقالوا ما أنتم وما محمد فقالوا نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن ونفك العناة ونسقي الحجيج ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار فنحن خير أم هو فقالوا بل أنتم خير وأهدى سبيلا فأنزل الله ( ^ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) إلى قوله ( ^ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) . وكذلك قال قتادة ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب رجلين من اليهود من بني النضير أتيا قريشا في الموسم فقال لهما المشركون نحن أهدى من محمد وأصحابه وهما يعلمان أنهما كاذبان إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه فأنزل الله فيهم ( ^ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما إن محمدا يزعم أنه قد نزل فيكم كذا وكذا قال صدق والله ما حملنا على ذلك إلا حسده وبغضه .

وهذان مرسلان من وجهين مختلفين فيهما أن كلا الرجلين ذهب إلى مكة وقال ما قال ثم إنهما قدما فندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتل ابن الأَشرف وأمسك عن ابن أخطب حتى نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلحق بخيبر ثم جمع عليه الأحزاب فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم حتى قتله الله معهم فعلم أن الأمر الذي أتياه بمكة لم يكن هو الموجب للندب إلى قتل ابن الأشرف وإنما هو ما اختص به ابن الأشرف من الهجاء ونحوه وإن كان ما فعله بمكة مقويا لذلك ولكن مجرد الأذى لله ورسوله يوجب الندب إلى قتله كما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فإنه قد آذى الله ورسوله وكما بينه جابر في حديثه . الوجه الخامس أن ابن أبي أويس قال حدثني إبراهيم بن جعفر الحارثي عن أبيه عن جابر لما قال كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبني قريظة كذا فيه قال شيخنا أحسبه وبني قينقاع اعتزل ابن الأشرف ولحق بمكة وكان فيها وقال لا أعين عليه ولا أقاتله فقيل له بمكة ديننا خير أم دين محمد وأصحابه قال دينكم خير وأقدم من دين محمد ودين محمد حديث . فهذا دليل على أنه لم يظهر محاربته .

الوجه السادس أن جميع ما أتاه ابن الأشرف إنما هو أذى باللسان فإن رثاءه لقتلى المشركين وتحضيضه على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وسبه وطعنه في دين الإسلام وتفضيله دين الكفار عليه كله قول باللسان ولم يعمل عملا فيه محاربة . ومن نازعنا في سب النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه فهو فيما فعل كعب بن الأشرف من تفضيل دين الكفار وحضهم باللسان على قتل المسلمين أشد منازعة فإن الذمي إذا تجسس لأهل الحرب وأخبرهم بعورات المسلمين ودعا الكفار إلى قتالهم انتقض عهده أيضا كما ينتقض عهد الساب . ومن قال إن الساب لا ينتقض عهده فإنه يقول لا ينتقض العهد بشيء من ذلك وهذا ابن الأشرف لم يوجد منه إلا أذى باللسان فقط فهو حجة على من نازع في هذه المسائل ونحن نقول إن ذلك كله نقض للعهد .

الوجه السابع أن تفضيل دين الكفار على دين المؤمنين هو دون سب النبي صلى الله عليه وسلم بلا ريب فإن كون الشيء مفضولا أحسن حالا من كونه مسبوبا مشتوما فإن كان ذلك ناقضا للعهد فالسب بطريق الأولى . وأما مرثيته للقتلى وحضهم على أخذ ثأرهم فأكثر ما فيه تهييج قريش على المحاربة وقريش كانوا قد أجمعوا على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم عقيب بدر وأرصدوا العير التي كان فيها أبو سفيان للنفقة على حربه فلم يحتاجوا في ذلك إلى كلام ابن الأشرف . نعم مرثيته وتفضيله ربما زادهم غيظا ومحاربة لكن سبه للنبي وهجاءه له ولدينه أيضا مما يهيجهم على المحاربة ويغريهم به فعلم أن الهجاء فيه من الفساد ما في غيره من الكلام وأبلغ فإذا كان غيره من الكلام نقضا فهو أن يكون نقضا أولى ولهذا قتل النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من النسوة اللاتي كن يشتمنه ويهجينه مع عفوه عمن كانت تعين عليه وتحض على قتاله .

الوجه الثامن أن كعب بن الأشرف لم يلحق بدار الحرب مستوطنا ولهذا قدم المدينة وهي وطنه والذمي إذا سافر إلى دار الحرب ثم رجع إلى وطنه لم ينتقض عهده . ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل حيي بن أخطب وكان قد سافر معه إلى مكة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت