فهرس الكتاب

الصفحة 575 من 743

أمر سبحانه بقتال الناكثين الطاعنين في الدين و ضمن لنا ـ إن فعلنا ذلك ـ أن يعذبهم بأيدينا و يخزيهم و ينصرنا عليهم و يشفي صدور المؤمنين الذين تأذوا من نقضهم و طعنهم و أن يذهب غيظ قلوبهم لأنه رتب ذلك على قتالنا ترتيب الجزاء على الشرط و التقدير: إن تقاتلوهم يكن هذا كله فدل على أن الناكث الطاعن مستحق هذا كله و إلا فالكفار يدالون علينا المرة و ندال عليهم الآخرى و إن كانت العاقبة للمتقين و هذا تصديق ما جاء في الحديث [ ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو ] و التعذيب بأيدينا هو القتل فيكون الناكث الطاعن مستحقا للقتل و الساب لرسول الله صلى الله عليه و سلم ناكث طاعن كما تقدم فيستحق القتل و إنما ذكر سبحانه النصر عليهم و أنه يتوب من بعد ذلك على من يشاء لأن الكلام في قتال الطائفة الممتنعة فأما الواحد المستحق للقتل فلا ينقسم حتى فيه { يعذبه الله و يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } على أن قوله { من يشاء } يجوز أن يكون عائدا إلى من لم يطعن بنفسه و إنما أقر الطاعن فسميت الفئة طاعنة لذلك و عند التمييز فبعضهم دون بعضهم مباشر و لا يلزم من التوبة على الرده التوبة على المباشر ألا ترى أن النبي صلى الله عليه و سلم أهدر عام الفتح دم الذين باشروا الهجاء و لم يهدر دم الذين سمعوه و أهدر دم بني بكر و لم يهدر الذين أعاروهم السلاح

الوجه السادس: أن قوله تعالى: { و يشف صدور قوم مؤمنين و يذهب غيظ قلوبهم } [ التوبة: 15 ] دليل على أن شفاء الصدور من ألم النكث و الطعن و ذهاب الغيظ الحاصل في صدور المؤمنين من ذلك أمر مقصود للشارع مطلوب الحصول و أن ذلك يحصل إذا جاهدوا كما جاء في الحديث المرفوع: [ عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الله يدفع الله به عن النفوس الهم و الغم ]

لا ريب أن من أظهر الرسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل الذمة و شتمه فإنه يغيظ المؤمنين و يؤلمهم أكثر مما لو سفك دماء بعضهم و أخذ أموالهم فإن هذا يثير الغضب لله و الحمية له و لرسوله و هذا القدر لا يهيج في قلب المؤمن غيظا أعظم منه بل المؤمن المسدد لا يغضب هذا الغضب إلا الله و الشارع يطلب شفاء صدور المؤمنين و ذهاب غيظ قلوبهم و هذا إنما يحصل بقتل الساب لأوجه:

أحدها: أن تعزيزه و تأديبه يذهب غيظ قلوبهم إذا شتم واحدا من المسلمين أو فعل نحو ذلك فلو أذهب غيظ قلوبهم إذا شتم الرسول لكان غيظهم من شتمه مثل غيظهم من شتم واحد منهم و هذا باطل

الثاني: أن شتمه أعظم عندهم من أن يؤخذ بعض دمائهم ثم لو قتل واحدا منهم لم يشف صدورهم إلا قتله فإن لا تشفى صدورهم إلا بقتل الساب [ أولى و أحرى ]

الثالث: أن الله تعالى جعل قتالهم هو السبب في حصول الشفاء و الأصل عدم سبب آخر يحصله فيجب أن يكون القتل و القتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا

الرابع: أن النبي صلى الله عليه و سلم لما فتحت مكة و أراد أن يشفي صدور خزاعة ـ و هم القوم المؤمنون ـ من بني بكر الذين قاتلوهم مكنهم منهم نصف النهار أو أكثر مع أمانة لسائر الناس فلو كان الشفاء صدورهم و ذهاب غيظ قلوبهم يحصل بدون القتل للذين نكثوا و طعنوا لما فعل ذلك مع أمانه للناس الموضع الرابع: قوله سبحانه: { ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم } [ التوبة: 62 ] فإنه يدل على أن أذى النبي صلى الله عليه و سلم محاددة لله و لرسوله لأنه قال هذه الآية عقب قوله تعالى: { و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن } الآية [ التوبة: 61 ] ثم قال: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم و الله و رسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله } فلو لم يكونوا بهذا الأذى محادين لم يحسن أن يوعدوا بأن للمحاد نار جهنم لأن يمكن حينئذ أن يقال: قد علموا أن للمحاد نار جهنم لكنهم لم يحادوا و إنما آذوا فلا يكون في الآية و عيد لهم فعلم أن هذا الفعل لا بد أن يندرج في عموم المحادة ليكون و عيد المحاد و عيدا له و يلتئم الكلام

و يدل على ذلك أيضا ما روى الحاكم في صحيحه بإسناد صحيح [ عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان في ظل حجرة من حجره و عنده نفر من المسلمين فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعين شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فكلمه فقال: علام تشتمني أنت و فلان و فلان فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا بالله و اعتذروا إليه ] فأنزل الله تعالى: { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفوا له كما يحلفون لكم و يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون } [ المجادلة: 18 ] ثم قال بعد ذلك: { إن الذين يحادون الله و رسوله } فعلم أن هذا داخل في المحادة

و في رواية أخرى صحيحة أنه نزل قوله { يحلفون لكم لترضوا عنهم } [ التوبة: 96 ]

و قد قال: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } [ التوبة: 62 ] ثم قال عقبه: { ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله } فثبت أن هؤلاء الشاتمين محادون و سيأتي ـ إن شاء الله ـ زيادة في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت