فهرس الكتاب
و إذا كان الأذى محادة لله و رسوله فقد قال تعالى: { إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز } [ المجادلة: 21 ] و الأذل: أبلغ من الذليل و لا يكون أذل حتى يخاف على نفسه و ماله إن أظهر المحادة لأنه إن كان دمه و ماله معصما لا يستباح فليس بأذل يدل عليه قوله تعالى: { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله و حبل من الناس } [ آل عمران: 112 ] فبين سبحانه أنهم أينما ثقفوا فعليهم الذلة إلا مع العهد فعلم أن من له عهد و حبل لا ذلة عليه و إن كانت عليه المسكنة فإن المسكنة قد تكون مع عدم الذلة و قد جعل المخادعين في الأذلين فلا يكون لهم عهد إذ العهد ينافي الذلة كما دلت عليه الآية و هذا ظاهر فإن الأذل هو الذي ليس له قوة يمتنع بها ممن أراده بسوء فإذا كان له من المسلمين عهد يجب عليهم به نصره و منعه بأذل فثبت أن المحاد لله و لرسوله لا يكون له عهد يعصمه و المؤذي للنبي صلى الله عليه و سلم محاد فالمؤذي للنبي ليس له عهد يعصم دمه و هو المقصود
و أيضا فإنه قال تعالى: { إن الذين يحادون الله و رسوله كتبوا كما كتب الذين من قبلهم } [ المجادلة: 5 ] و الكبت: إذلال و الخزي و الصرع قال الخليل: الكبت هو الصرع على الوجه و قال النضر بن شميل و ابن قتيبة: هو الغيظ و الحزن و هو في الأشقاق الأكبر من كبده كأن الغيظ و الحزن أصاب كبده كما يقال: أحرق الحزن و العداوة كبده و قال أهل التفسير: كتبوا أهلكوا و أخزوا و حزنوا فثبت أن المحادة أن مكبوت مخزى ممتل غيظا و حزنا هالك و هذا إنما يتم إذا خاف إن أظهر المحاداة أن يقتل و إلا فمن أمكنه إظهار المحادة و هو آمن على دمه و ماله فليس بمكبوت بل مسرور جذلان و لأنه قال: { كتبوا كما كتب الذين من قبلهم } و الذين من قبلهم ممن حاد الرسل و حاد رسول الله إنما كتبه الله بأن أهلكه بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين و الكبت و إن كان يحصل منه نصيب لكل من لم ينل غرضه كما قال سبحانه: { ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم } [ آل عمران: 127 ] لكن قوله تعالى: { كما كبت الذين الذين من قبلهم } يعني محادي الرسل دليل على الهلاك أو كتم الأذى بيبين ذلك أن المنافقين هم من المحادين فهم مكبوتون بموتهم بغيظم لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم قتلوا فيجب أن يكون كل محاد كذلك و أيضا فقوله تعالى: { كتب الله لأغلبن أنا و رسلي } [ المجادلة 21 ] عقب قوله: { إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين } دليل على أن المحادة مغالبة و معاداة حتى يكون أحد المتحادين غالبا و الآخر مغلوبا و إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم فعلم أن المحاد ليس بمسالم و الغلبة للرسل بالحجة و القهر فمن أمر منهم بالحرب نصر على عدوه و من لم يؤمر بالحرب ملك عدوه و هذا أحسن من قول من قال: [ إن الغلبة للمحارب بالنصر و لغير المحارب بالحجة فعلم أن هؤلاء المحادين محاربون مغلوبون ]
و أيضا فإن المحادة من المشاقة لأن المحادة من الحد و الفصل و البينونة و كذلك المشاقة من الشق و هو لهذا المعنى فهما جميعا بمعنى المقاطعة و المفاصلة و لهذا يقال: إنما سميت بذلك لأن كل واحد من المحادين و المتشاقين في حد و شق من الآخر و ذلك يقتضي انقطاع الحبل الذي بين أهل العهد إذا حاد بعضهم بعضا فلا حبل لمحاد لله و لرسوله
و أيضا فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة فإن الله سبحانه قال: { فاضربوا فوق الأعناق و اضربوا منهم كل بنان و ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله و من يشاق الله و رسوله فإن الله شديد العقاب } [ الأنفال: 13 ] فأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم و محادتهم فكل من حاد و شاق يجب أن يفعل به ذلك لوجود العلة
و أيضا فإنه تعالى قال: { و لولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب النار و ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله } [ الحشر: 4 ] و التعذيب هنا ـ و الله أعلم القتل لأنهم قد عذبوا بما دون ذلك من الإجلاء و أخذ الأموال فيجب تعذيب من شاق الله تعالى و رسوله و من أظهر المحادة فقد شاق الله و رسوله بخلاف من كتمها فإنه ليس بمحاد و لا مشاق
و هذه الطريقة أقوى في الدلالة يقال: هو محاد و إن لم يكن مشاقا و لهذا جعل جزاء المحاد مطلقا أن يكون مكتوبا كما كبت من قبله و أن يكون في الأذلين و جعل جزاء المشاق القتل و التعذيب في الدنيا و لن يكونا مكبوتا كما كبت من قبله في الأذلين إلا لم يمكنه إظهار محادته فعلى هذا تكون المحادة أعم و لهذا ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله } الآية [ المجادلة: 22 ] إنها نزلت فيمن قتل [ من ] المسلمين أقاربه في الجهاد و فيمن أراد أن يقتل [ من ] تعرض لرسول الله صلى الله عليه و سلم بالأذى من كافر أو منافق قريب له فعلم أن المحاد يعم المشاق و غيره