فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 743

و هذا القول في الجملة هو الصحيح من قولي الإمام الشافعي و القول الآخر للشافعي أن من نقض العهد من هؤلاء يرد إلى مأمنه ثم من أصحابه من استثنى سب رسول الله صلى الله عليه و سلم خاصة فجعله موجبا للقتل حتما دون غيره و منهم من عمم الحكم هذا هو الذي ذكره أصحابه و أما لفظه فإنه قال في الأم:[ إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب و ذكر الشروط إلى أن قال: و على أن أحدا منكم إن ذكر محمدا صلى الله عليه و سلم أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به فقد برئت منه ذمة الله ثم ذمة أمير المؤمنين و جميع المسلمين و نقض ما أعطي من الأمان و حل لأمير المؤمنين ماله و دمه كما يحل أموال أهل الحرب و دماؤهم و على أن أحدا من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنى أو اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلما عن دينه أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو دلالة على عورات المسلمين أو إيواء لعيونهم فقد نقض عهده و أحل دمه و ماله و إن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو عرضه لزمه فيه الحكم

ثم قال: [ فهذه الشروط اللازمة إن رضيها فإن لم يرضها فلا عقد له و لا جزية ]

ثم قال: [ و أيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد و أسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا و كذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدا أو قصاصا فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد و إن فعل مما وصفنا و شرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ] و لكنه قال [ أتوب و أعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده ] عوقب و لم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا يوجب القصاص أو الحد فأما ما دون هذا من الفعل أو القول فكل قول يعاقب عليه و لا يقتل ]

قال: فإن فعل أو قال ما وصفنا و شرط أن يحل دمه فظفر به فامتنع من أن يقول [ أسلم أو أعطى جزية قتل و أخذ ماله فيئا ]

و هذا اللفظ يعطي وجوب قتله إذا امتنع من الإسلام و العود إلى الذمة

و سلك أبو الخطاب في: الهداية و الحلواني و كثير من متأخري أصحابنا مسلك المتقدمين في إقرار نصوص الإمام أحمد بحالها و هو الصواب فإن الإمام أحمد قد نص على القتل عينا فيمن زنى بمسلمة حتى بعد الإسلام و جعل هذا أشد من نقض العهد باللحاق و دار الحرب ثم إنه نص هناك على أن الأمر إلى الإمام كالأسير و نص هنا على أن الإمام يخير أن يقتل و لا يخفى لمن تأمل نصوصه أن القول بالتخيير مطلقا مخالف لها

و أما أبو حنيفة فلا تجيء هذه المسألة على أصله لأنه لا ينتقض عهد أهل الذمة عنده إلا أن يكونوا أهل شوكة و منعة فيمتنعون بذلك على الإمام و لا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم

و مذهب مالك لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ممتنعين منا ما نعين للجزية من غير ظلم أو يلحقوا بدار الحرب و لكن مالكا يوجب قتل ساب الرسول صلى الله عليه و سلم عينا و قال: إذا استكره الذمي مسلمة على الزنا قتل إن كانت حرة و إن كانت أمة عوقب العقوبة الشديدة فمذهبه إيجاب القتل عينا لبعض أهل الذمة الذين يفعلون ما فيه ضرر على المسلمين فمن قال [ إنه يرد إلى مأمنه ] قال: لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلم يجز قتله حتى يرد إلى مأمنه كما لو دخلها بأمان صبي و هذا ضعيف جدا لأن الله قال في كتابه: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } الآية [ التوبة: 13 ]

فهذه الآية و إن كانت نزلت في أهل الهدنة فعمومها لفظا و معنى يتناول كل ذي عهد على ما لا يخفى و قد أمر سبحانه بالمقاتلة حيث وجدناهم فعم ذلك مأمنهم و غير مأمنهم و لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون فمتى لم يعطوا الجزية أو لم يكونوا صاغرين جاز قتالهم من غير شرط على معنى الآية و لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بقتل من رأوه من رجال يهود صبيحة قتل ابن الأشرف و كانوا معه معاهدين و لم يأمر بردهم إلى مأمنهم

و كذلك لما نقضت بنو قينقاع العهد قاتلهم ولم يردهم إلى مأمنهم و لما نقضت بنو قريظة العهد قالتهم و أسرهم و لم يبلغهم مأمنهم و كذلك كعب بن الأشرف نفسه أمر بقتله غيلة و لم يشعره أنه يريد قتله فضلا عن أن يبلغه مأمنه و كذلك بنو النضير أجلاهم على أن لا ينقلوا إلا ما حملته الإبل إلا الحلقة و ليس هذا بإبلاغ للمأمن لأن من بلغ مأمنه يؤمن على نفسه و أهله و ماله حتى يبلغ مأمنه

و كذلك سلام بن أبي الحقيق و غيره من يهود لما نقضوا العهد قتلهم نوبة خبير و لم يبلغهم مأمنهم و لأنه قد ثبت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عمر و أبا عبيدة و معاذ بن جبل و عوف بن مالك قتلوا النصراني الذي أراد أن يفجر بالمسلمة و صلبوه و لم ينكره منكر فصار إجماعا و لم يردوه إلى مأمنه و لأن في شروط عمر التي شرطها على النصارى [ فإن نحن خالفنا عن شيء شرطناه لكم و ضمناه على أنفسنا فلا لنا و قد حل لكم منا ما حل لأهل المعاندة و الشقاق ] رواه حرب بإسناد صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت