فهرس الكتاب
و قد تقدم عن عمر و غيره من الصحابة مثل أبي بكر و ابن عمر و ابن عباس و خالد بن الوليد و غيرهم رضوان الله تعالى عليهم أنهم قتلوا أو أمروا بقتل ناقض العهد و لم يبلغوه مأمنه و لأن دمه كان مباحا و إنما عصمته الذمة فمتى ارتفعت الذمة بقي على الإباحة و لأن الكافر لو دخل دار الإسلام بغير أمان و حصل في أيدينا جاز قتله في دارنا و أما من دخل بأمان صبي فإنما ذلك لأنه يعتقد أنه مستأمن فصارت له شبهة أمان و ذلك يمنع قتله كمن وطىء فرجا يعتقد أنه حلال لا حد عليه و كذلك ينسب في دخوله دار الإسلام إلى تفريط و أما فإنه ليس له أمان و لا شبهة أمان لأن مجرد حصوله في الدار ليس بشبهة أمان بالاتفاق بل هو مقدم على ما ينقض به العهد مفرط في ذلك عالم أنا لم نصالحه على ذلك فأي عذر له في حقن دمه حتى يلحقه بمأمنه ؟ نعم لو فعل من نواقض العهد مالم يعلم أنه يضرنا ـ مثل أن يذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بشيء يحسبه جائزا عندنا ـ كان معذورا بذلك فلا ينقض العهد كما تقدم مالم يتقدم إليه كما فعل عمر بقسطنطين النصراني
و أما من قال إنه كالأسير الحربي إذا حصل في أيدينا فقال:[ لأنه كافر حلال الدم حصل في أيدينا و كل من كان كذلك فإنه مأسور فلنا أن نقتله كما قتل النبي صلى الله عليه و سلم عقبة بن أبي معيط و النضر بن الحارث و لنا أن نمن عليه كما من النبي صلى الله عليه و سلم على ثمامة بن أثال الحنفي و على أبي عزة الجمحي و لنا أن نفادي كما فادى النبي صلى الله عليه و سلم بعقيل و غيره و لنا أن نسترقه كما استرق المسلمون خلقا من الأسرى مثل أبي لؤلؤة قاتل عمر و مماليك العباس و غيرهم
أما قتل الأسير و استرقاقه فما أعلم فيه خلافا لكن قد اختلف العلماء في المن عليه و المفاداة هل هو باق أو منسوخ ؟ على ما هو معروف في مواضعه و هذا لأنه إذا نقض العهد عاد كما كان و الحربي الذي لا عهد له إذا قدر عليه جاز قتله و استرقاقه و لأنه ناقض للعهد فجاز قتله و استرقاقه كاللاحق بدار الحرب و المحارب في طائفة ممتنعة إذا أسر بل هذا أولى لأن نقض العهد بذلك متفق عليه فهذا أغلظ فإذا جاز أن يحكم فيه بحكم الأسير ففي هذا أولى نعم إذا انتقض العهد بفعل له عقوبة تخصه ـ مثل أن يقتل مسلما أو يقطع الطريق عليه و نحو ذلك ـ أقيمت عليه تلك العقوبة سواء كانت قتلا أو جلدا ثم إن بقي حيا بعد إقامة حد تللك الجريمة عليه صار كالكافر الحربي الذي لاحد عليه
و من فرق بين سب رسول الله صلى الله عليه و سلم و بين سائر النواقض قال: لأن هذا حق لرسوله الله صلى الله عليه و سلم و لم يعف عنه فلا يجوز إسقاطه بالاسترقاق و لا بالتوبة كسب غير رسول الله عليه الصلاة و السلام و سيأتي إن شاء الله تعالى تحرير مأخذ السب
و أما من قال إنه يتعين قتله إذا نقضه بما فيه مضرة على المسلمين دون ما إذا لم يوجد منه إلا مجرد اللحاق بدار الحرب و الامتناع عن المسلمين فلأن الله تعالى قال: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم و هموا بإخراج الرسول و هم بدأوكم أول مرة } إلى قوله: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم و يخزهم و ينصركم عليهم و يشف قوم مؤمنين } [ التوبة: 12 ـ 14 ]
فأوجب سبحانه قتال الذين نكثوا العهد و طعنوا في الدين و معلوم أن مجرد نكث العهد موجب للقتال الذي كان واجبا قبل العهد و أوكد فلا بد أن يفيد هذا زيادة توكيد و ما ذاك إلا لأن الكافر الذي ليس بمعاهد يجوز الكف عن قتاله إذا اقتضت المصلحة ذلك إلى وقت فيجوز استرقاقه بخلاف هذا الذي نقض و طعن فإنه يجب قتاله من غير استتابة و كل طائفة وجب قتالها من غير استئناف لفعل يبيح دم آحدها فإنه يجب قتل الواحد منهم إذا فعله و هو في أيدينا كالردة و القتل في المحاربة و الزنا و نحو ذلك بخلاف البغي فإنه لا يبيح دم الطائفة إلا إذا كانت ممتنعة و بخلاف الكفر الذي لا عهد معه فإنه يجوز الاستيفاء بقتل أصحابه في الجملة
و قوله سبحانه: { يعذبهم الله بأيديكم و يخزهم } دليل على أن الله تعالى يريد الانتقام منهم و ذلك لا يحصل من الواحد إلا إذا قتل و لا يحصل إن من عليه أو فودي به أو استرق نعم دلت الآية على أن الطائفة الناقضة الممتنعة يجوز أن يتوب الله على من يشاء منها بعد أن يعذبها و يخزيها بالغلبة لأن ما حاق بهم من العذاب و الخزي يكفي في ردعهم و ردع أمثالهم عما فعلوه من النقض و الطعن أما الواحد فلو لم يقتل بل من عليه لم يكن هناك رادع قوي عن فعله
و أيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم لما سبى بني قريظة قتل المقاتلة و استرق الذرية إلا امرأة واحدة كانت قد ألقت رحى من فوق الحصن على رجل من المسلمين فقتلها لذلك و حديثها مع عائشة رضي الله عنها معروف ففرق صلى الله عليه و سلم بين من اقتصر على نقض العهد و بين من آذى المسلمين مع ذلك و كان لا يبلغه عن أحد من المعاهدين أنه آذى المسلمين إلا ندب إلى قتله و قد أجلى كثيرا و من على كثير ممن نقض العهد فقط
و أيضا أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عاهدوا أهل الشام من الكفار ثم نقضوا العهد فقاتلوهم ثم عاهدوهم مرتين أو ثلاثا و كذلك مع أهل مصر و مع هذا فلم يظفروا بمعاهد آذى المسلمين بطعن في الدين أو زنا بمسلمة و نحو ذلك إلا قتلوه و أمروا بقتل هؤلاء الأجناس عينا من غير تخيير فعلم أنهم فرقوا بين النوعين