فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 743

و أيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بقتل مقيس بن صبابة و عبد الله بن خطل و نحوهما ممن ارتد و جمع إلى ردته قتل مسلم و نحوه من الضرر و مع هذا فقد ارتد في عهد أبي بكر رضي الله عنه خلق كثير و قتلوه من المسلمين عددا بعد الامتناع مثل ما قتل طليحة الأسدي عكاشة بن محصن و غيره و لم يؤخذ أحد منهم بقصاص بعد ذلك فإذا كان المرتد يؤخذ بما أصابه قبل الامتناع من الجنايات و لا يؤخذ بما فعله بعد الامتناع فكذلك الناقض للعهد لأن كليهما خرج عما به دمه: هذا نقض إيمانه و هذا نقض أمانه و إن كان في هذا خلاف بين الفقهاء في المذهب و غيره فإنما قسنا على أصل ثبت بالسنة و إجماع الصحابة نعم المرتد إذا عاد إلى الإسلام عصم دمه إلا من يقتل بمثله المسلم و المعاهد يقتل على ما فعله من الجنايات المضرة بالمسلمين لأنه يصير مباحا بالنقض و لم يعد إلى شيء يعصم دمه فيصير كحربي يغلظ قتله يبين ذلك أن الحربي على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا آذى المسلمين و ضرهم قتله عقوبة له على ذلك و لم يمن عليه بعد القدرة عليه فهذا الذي نقض عهده بضرر المسلمين أولى بذلك

ألا ترى أنه لما من على أبي عزة الجمحي و عاهده أن لا يعين عليه فغدر به ثم قدر عليه بعد ذلك و طلب أن يمن عليه فقال: [ لا تمسح سبلاتك بمكة و تقول: سخرت بمحمد مرتين ] ثم قال: [ لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ] فلما نقض يمينه منعه ذلك من المن عليه لأنه ضره بعد أن كان عاهده على ترك ضراره فكذلك من عاهد من أهل الذمة أنه لا يؤذي المسلمين ثم آذاهم لو أطلقوه للدغوا من جحر واحد مرتين و لمسح المشرك سبلاته و قال: سخرت بهم مرتين

و أيضا فلأنه إذا لحق بدار الحرب و امتنع لم يضر المسلمين و إنما أبطل العقد الذي بينهم و بينه فصار كحربي أصلي أما إذا فعل ما يضر بالمسلمين ـ من مقاتلة أو زنا بمسلمة أو قطع طريق أو حبس أو نحو ذلك ـ فإنه يتعين قتله لأنه لو لم يقتل لخلت هذه المفاسد عن العقوبة عليها و تعطلت حدود هذه الجرائم و مثل هذه الجرائم لا يجوز العفو عن عقوبتها في حق المسلم فلان لا يجوز العفو عن عقوبتها في حق الذمي أولى و أحرى و لا يجوز أن يقام عليه حدها منفردا كما يقام على من بقيت ذمته الحد لأن صاحبها حربيا و الحربي لا يقام عليه إلا القتل فتعين قتله و صار هذا كالأسير اقتضت المصلحة قتله لعمنا أنه متى أفلت كانت فيه ضرر على المسلمين أكثر من ضرر قتله لا يجوز المن عليه و لا المفاداة به اتفاقا و لأن الواجب في مثل هذا إما القتل أو المن أو الاسترقاق أو الفداء فأما الاسترقاق فإنه أبقى له على ذمته بنحو مما كان فإنه تحت ذمتنا نأخذ منه الجزية بمنزلة العبد و لهذا قال بعض الصحابة لعمر في مسلم قتل ذميا: [ أتقيد عبدك من أخيك ؟ ] بل ربما كان استعباده أنفع له من جعله ذميا و استعباد مثل هذا لا تؤمن عاقبته و سوء مغبته و أما المن عليه و المفاداة به فأبلغ في المفسدة و إعادته إلى الذمة ترك لعقوبته بالكلية فتعين قتله

يوضح ذلك أنا على هذا التقدير لا نعاقبه إذا عاد إلى الذمة إلا بما يعاقب فيه المسلم أو الباقي على ذمته و هذا في الحقيقة يؤول إلى قول من يقول: [ إن العهد لا ينقض بهذه الأشياء ] فلا معنى لجعل هذه الأشياء ناقضة للعهد و إيجاب إعادة أصحابها إلى العهد و أن لا يعاقبوا إذا عادوا إلا بما يعاقب به المسلم

يؤيد ذلك أن هذه الجرائم إذا رفعت العهد و فسخته فلأن يمنع ابتداء بطريق الأولى لأن الدوام أقوى من الابتداء ألا ترى أن العدة و الردة تمنع ابتداء عقد النكاح دون دوامه فأما إن كان وجود هذه المضرات يمنع دوام العقد فمنعه ابتداءه أولى و أحرى و إذا يجز ابتداء عقد الذمة فلأن لا يجوز المن أولى و لأن الله تعالى أمر بقتل جميع المشركين إلا أن المشدود و ثاقه من المحاربين جعل لنا أن نعامله بما نرى و الخارج عن العهد ليس بمنزلة الذي لم يدخل فيه كما أن الخارج عن الدين ليس بمنزلة الذي لم يدخل فيه فإن الذي لم يدخل فيه باق على حاله و الذي خرج من الإيمان و الأمان قد أحدث فسادا فلا يلزم من احتمال الفساد الباقي المستصحب احتمال الفساد المحدث المتجدد لأن الدوام أقوى من الابتداء

يبين ذلك أن كل أسير كان يؤذي المسلمين مع كفره فإن النبي صلى الله عليه و سلم قتله مثل: النضر بن الحارث و عقبة بن أبي معيط و مثل أبي عزة الجمحي في المرة الثانية

و أيضا فإنه إذا امتنع بطائفة أو بدار الحرب كان ما يتوقى من ضرره متعلقا بعزه و منتعه كالحربي الأصلي فإذا زالت المنعة بأسره لم يبق منه ما يبقى إلا من جهة كونه كافرا فقط فلا فرق بينه بين غيره أما إذا أضر المسلمين و آذاهم بين ظهرانيهم أو تمرد عليهم بالامتناع مما أوجبته الذمة عليه كان ضرره بنفسه من غير طائفه تمنعه و تنصره فيجب إزهاق نفسه التي لا عصمة لها و هي منشأ للضرر و ينبوع لأذى المسلمين ألا ترى أن الممتنع ليس فيما فعله إغراء للآحاد غير ذوي المنعة بخلاف الواحد فإن فيما يفعله فتح باب الشر فإن لم يعاقب فعل ذلك غيره و غيره و لا عقوبة لمن لا عهد له من الكفار إلا السيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت