فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 743

وأهل الذمة يطبق عليهم في دار الإسلام الشرع الإسلامي، ورجح الباحث استثناء شربهم للخمر وأكلهم الخنزير وشعائرهم التعبدية ـ ما لم يظهروها في أمصار المسلمين ـ وقوانين الأسرة كالنكاح، وإذا ترافعوا إلينا يجب على القاضي أن يحكم فيهم بحكم الإسلام، ولا يشترط ترافع الاثنين بل يكفي واحد، وإذا اختلف المسلم والذمي فيجب الحكم بينهما حماية للمسلم وحفاظًا على الذمي، وأما إذا اختلفت ملة المتحاكمين كيهودي ونصراني فيجب الحكم بينهم عند الشافعية وهو الصواب. (ص252) .

أما المبحث الخامس (الذمي وولاية الحسبة) : فذكر أنه لا مدخل له فيها لاتفاق الفقهاء على اشتراط الإسلام في المحتسب، كما أن المحتسب وما بيده يدل على العز والسلطان وهذا لا يتمتع به الذمي لأنه ينافي النص الذي ورد بصغارهم (( حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ) [التوبة: 29] .

وما يقال عن الذمي وولاية الحسبة يقال عن الذمي وولاية المظالم. (ص284) .

أما المبحث السابع (الذمي وإمارة الجيش) : فلا مدخل له فيها؛ لأن ولاية الجيش شبيهة بالإمارة العامة والخاصة والتي شروطها هي شروط الإمامة (في الغالب) ، كما أنه لم يعرف عنه أنه أمّر كافرًا على سرية من المؤمنين، إضافة إلى القدوة في هذا المنصب والاطلاع على الأسرار التي لا يجوز أن يطلع عليها كافر. (ص290) .

أما في المبحث الثامن (أهل الذمة والولايات الأخرى) : فقسمه إلى عدة مطالب، هي: الفيء والغنيمة، والصدقة، والخراج، والجزية، أما الفيء (كل مال وصل إلى المسلمين من غير مباشرة القتال) : فليس للذمي مدخل في ولايته، وأجاز الماوردي والفراء للذمي أن يُستعمل في عمل لا يستدعي الاستنابة وكان ما يجبيه متعلقًا بأهل الذمة، كالجزية وعشور أهل الذمة، والراجح خلافه، أما ولاية الغنيمة: فلا مدخل للذمي فيها، وكذلك الصدقة، إلا أن الماوردي والفراء أجازا تولي قبض نوع من أنواع الزكاة، والراجح عدم الجواز؛ لأنه شاهد على رب المال ولا تجوز شهادة غير المسلم على المسلم، أما ولاية الخراج: فلا يجوز توليتها للذمي إلا إذا كان جباية ـ دون تقسيم ـ على مال محدد يؤخذ من أهل الذمة، ويشترط أن يتصف الذمي بالصدق والأمانة، أما ولاية الجزية: فلا مدخل له فيها. (3) .

أما الفصل الرابع (آخر فصول الرسالة) فعن أهل الذمة والشورى: عرف الباحث الشورى اصطلاحًا بقوله: (هي استعراض الآراء المطروحة من أهل الرأي في المسألة، واختبارها، ثم اختيار أصوبها، أما تولية الذمي للشورى: فقد اتفق العلماء على اشتراط الإسلام في أهل الحل والعقد، وليس للمتقدمين قول بجواز تولية ذلك للذمي، نقله الماوردي والفراء والجويني وابن جماعة وابن خلدون، قال الإمام الجويني:(ولا مدخل لأهل الذمة في نصب الأئمة، فخروج هؤلاء عن منصب الحل والعقد ليس به خفاء) ، وذكر الباحث قولًا لبعض المحدثين بجوازه بشرط ألا ينظر في الأمور التشريعية، وألا يشارك في انتخاب الخليفة، وأن تكون استشارته مقصورة على قضايا أهل الذمة والأمور الفنية البحتة، ومال الباحث إلى استحسان هذا، قلت: وهذا خلاف ما عليه الكتاب والسنة والإجماع. (ص340) .

ثم ختم الباحث رسالته بذكر مبحث وضّح فيه عدل المسلمين مع أهل الذمة مقارنة بما فعله ويفعله اليهود والنصارى قديمًا وحديثًا مع الأقليات المسلمة بينهم، فهذا (جوستاف لوبون) يصف فظاعة الصليبيين: (وكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إربًا إربًا، وكانوا لا يستبقون إنسانًا، وكانوا يشنقون أُناسًا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة) ويقول أيضًا: (كان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه، فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعًا ذهبية، فيا للشره وحب الذهب، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طريق المدينة(القدس) المغطاة بالجثث)، ومدينة (معرة النعمان) شاهدة على ما فعله الصليبيون عندما قتلوا مئة ألف لاجئ مسلم صبرًا في الجوامع والطرقات والسراديب.

بل ما نشهده هذه الأيام من وقوع مجازر في البوسنة والهرسك ـ بالرغم من أنهم أغلبية في بلادهم، فليتأمل ـ لأكبر دليل على هضم حقوق المسلمين في البلدان الغربية (المتحضرة) !، أما موقف المسلمين من أهل الذمة: فهذه كتب الفقهاء ومقولات عمر (رضي الله عنه) تنطق بذلك (.. أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم...) .

هذا عرض سريع لأبواب وفصول هذه الرسالة، أردت منه إعطاء فكرة ـ ولو ميسرة ـ عنها.

ومما تميزت به هذه الرسالة ما يلي:

1-إجادة الباحث لجمع مادته العلمية بخصوص الموضوع، واستقصائه لأقوال الأئمة ومناقشتها في مباحث الرسالة، فجاءت أحكامه الفقهية ـ في الغالب ـ متزنة وموافقة للدليل الصحيح، وإن كان يؤخذ عليه إغفاله لأقوال بعض المتأخرين الذين أشبعوا الموضوع مناقشة ودراسة؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

2-الدراسة التي قام بها المؤلف في أوائل مباحث الرسالة عن بعض المناصب الإسلامية (الخلافة القضاء الشورى الحسبة الإمارة) تعتبر دراسة فريدة؛ نظرًا لتقصيه في تعريف هذه الولايات وشروطها وأحكامها، وحقّها أن تخرج في كتاب منفصل.

وكل عمل لا يسلم من الملاحظات (أبى الله أن يتم إلا كتابه) وقد قيل (من ألّف فقد استهدف) ... وألخص ملاحظاتي على الرسالة في النقاط التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت