فهرس الكتاب

الصفحة 688 من 743

قَبِلَت الشريعة ـ وفق شروطها المعلومة ـ إقامة الكافر ببلد المسلمين، مع بقائه على دينه، وهذا يعني أن الكافر المقيم بدار الإسلام بسببٍ مشروعٍ لا يُجبر أو يُكره على ترك دينه والدخول في الإسلام، وهذا يتناول بالضرورة أن الكافر غير مجبر على ترك آرائه وأفكاره الشخصية وتصوراته سواء منها ما خالف الإسلام أو وافقه، وهذا يسميه بعض الناس: «حرية الاعتقاد» أو «حرية وحق التفكير» إلى غير ذلك من المسميات، ونحن لا نسمي ذلك «حقًا» أو «حرية» لأن الله لم يعط أحدًا الحق في الكفر أو الضلال، ولم يبح ذلك في شريعته قط، وإنما نسمي هذا «عدم الإكراه» أو «الجبر» فلا حق لإنسان في أن يكفر ولا «حرية» في أن يضل ويشرد عن الطريق المستقيم. ولكن نقول كما قال ربنا: {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ؛ فنحن لا نُكرِه الكافر على الإسلام وإن كان لا حق له في أن يكفر، ويترتب على هذا الفرق الذي لم ينتبه له كثير من الكتاب المعاصرين تحديدُ الموقف من حكم نشر أو إذاعة الكافر لآرائه بين المسلمين؛ فإذا كان الكافر لا حق له ولا حرية في أن يكفر ويضل؛ فمن باب أوْلى لا حق له ولا حرية في نشر كفره وإذاعته بين الناس، وعدم إكراهه على الإسلام والهدى لا يعطيه حق الدعوة إلى كفره وضلاله في بلاد المسلمين.

وما يتكلم فيه الكافر المقيم بدار الإسلام إما أن يكون أمورًا دنيوية بحتة، وإما أن يكون مسائل دينية أو لها متعلق بالدين. فالمسائل الدنيوية البحتة كالمسائل المتعلقة بالخبرة المكتسبة في الزراعة مثلًا أو الصناعة أو تخطيط المدن، وأشباه هذه الأمور، فليس بين أيدينا نصوص معينة تمنعه من المشاركة في ذلك أو من نشر رأيه في ذلك والدعوة إليه، ومن ثم فإن حريته في نشر ذلك النوع من الفكر والدعوة إليه يتبع السياسة الشرعية ويرتبط بالمصلحة في كل عصر.

وأما المسائل الدينية أو المسائل المتعلقة أو لها اتصال بالدين فيرى بعض المعاصرين أن في منعه من نشر فكره المخالف لدين الإسلام حَجْرًا على الفكر وكبتًا لحريات الناس، وأن من حقه أن ينشر ما يراه، وينبغي أن يُمَكَّن من ذلك، وأن تُفتح له وسائل النشر المتعددة أبوابها، وربما يُعلل ذلك بأن صاحب الفكر الصحيح أو القوي لا يخاف أو يؤثر عليه صاحب الفكر الباطل والضعيف، وقد يضيف إلى ذلك قوله بأن بلاد الغرب أو الشرق الكافر تمنح المسلمين حرية نشر أفكارهم الإسلامية والدعوة إليها وهذا قمة الرقي والتحضر أو التمدن الحقيقي، حيث لا حجر على نشر الأفكار أيًا كان نوعها، وينبغي أن نعاملهم بالمثل.

وهذه كما نرى احتجاجات فكرية، وهي احتجاجات مُقابلة بما هو أقوى منها وأكثر منطقية، ولا يتعارض مع العقول السليمة، فإذا قلنا: إن شريعة الإسلام تشهد بالبطلان على كل ما يخالفها ويناقضها، وأن في مخالفتها ومناقضتها الخسران والبوار، وأنها لذلك لا تسمح لأحد بنشر الدعوة المضادة لها بين أتباعها في أرض تحكمها وتسيطر عليها، كان هذا قولًا مقبولًا معقولًا؛ إذ كيف يستجيز عاقل يريد أن يبني بناءً أن يترك آخرين يهدمون ما يبني وهو قادر على منعهم، ويعلل ذلك بأنه قوي وأنه قادر على بناء ما يهدمون، هذا ليس بتصرف العقلاء.

وأما النقطة الثانية وهي سماحهم لغيرهم بالدعوة إلى أفكارهم ونشرها؛ فإن هذا له ما يسوغه عندهم، وهم في ذلك متوافقون من أنفسهم وليسوا مخالفين لنظمهم؛ فإن القوم مرجعيتهم العليا في ذلك هى الإنسان نفسه، وليس لهم مرجع خارج الإنسان نفسه؛ فالفكر الذي ينظر إليه على أنه مُغرق في الفساد الذي لا تقبله الفطرة يتمتع بالقدر نفسه من الحجية التى يتمتع بها الفكر الذي ينظر إليه على أنه فكر صالح؛ إذ الكل صادر عن الإنسان صاحب المرجعية العليا عندهم؛ حتى وجدنا لديهم أفكارًا في منتهى الفساد ـ ربما لا تقبلها بعض الحيوانات ـ تحولت عندهم إلى واقع ممارس أو قوانين يحتكم إليها الناس؛ ففي تلك البلاد توجد حرية الزواج بين المثلين (رجل لرجل، وامرأة لامرأة) بل يوجد عندهم زواج المحارم حيث يتزوج الرجل ابنته، وهكذا.

وعلى هذا نقول: لو أنهم سمحوا في بلادهم للمسلمين بنشر أفكارهم ودعوتهم؛ فهم لم يخالفوا القاعدة التى ينطلقون منها، ولا يُقبل شرعًا أو عقلًا أن نكافئهم على عدم مخالفتهم لأنظمتهم بمخالفتنا لشريعتنا.

أدلة عدم جواز نشر ما يخالف الشريعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت