فهرس الكتاب

الصفحة 689 من 743

وقد دل عدم جواز نشر أو إذاعة آراء وأفكار الكفار المخالفة للشرع أدلة كثيرة؛ فمن ذلك قوله ـ تعالى ـ: {وَإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68] ؛ فأمر الله ـ تبارك وتعالى ـ بالإعراض ـ أي الصد وعدم الاستماع أو الجلوس ـ عمن يخوض أى يستهزئُ ويكذِّب بآيات الله أو يخالفها ويناقضها حتى يأخذوا في حديث آخر؛ أي حتى يبتعدوا عن الخوض في آيات الله؛ فالمسلمون ممنوعون من الإقبال أو الجلوس إلى الكفار والاستماع إليهم حال خوضهم في آيات الله، وإذا كان المسلمون ممنوعين من ذلك، فلا يجوز أن يباح أو يسمح للكفار بأن يقتحموا على المسلمين بيوتهم ومجالسهم ونواديهم ـ عن طريق وسائل النشر الحديثة ـ ليسمعوهم باطلهم وكفرهم بآيات الله وتكذيبهم لها أو معارضتهم ومخالفتهم لها؛ لأنه لا يقول عاقل إن المسلم لا يجوز له أن يذهب إلى الكفار ويجلس إليهم ويستمع لما يقولون، بينما يجوز أن يذهب الكفار إلى المسلم ليسمعوه ما عندهم من الخوض في آيات الله، ولو قال قائل: إن هذه الآية منعت المسلمين من الجلوس لسماع خوض الكفار، ولم تأمر المسلمين بمنع الكفار عن الخوض في الدين، قلنا: هذه الآية مكية، والمسلمون في مكة لم تكن لهم قوة أو ولاية أو سلطان يتمكنون به من دفع الكفار عن الخوض في دين الله، وكان كل الذي يمكن فعله في هذه الحالة هو منع المسلمين من الجلوس إلى الكفار والاستماع إلى خوضهم في الدين، وهذا قد جاء الأمر به.

فلما انتقل المسلمون إلى المدينة وصارت لهم قوة ومنعة ودار حصينة، لم يكن أحد يستطيع إظهار الخوض في آيات الله، أو دعوة المسلمين إلى ذلك، وإنما كان يقوم بشيء من ذلك المنافقون، ولا يجلس إليهم أو يستمع إليهم إلا أمثالهم، فنزل تحذير الله لهم بقوله: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 138] ، إلى قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] ، وفي هذه الآية زجر شديد عن الجلوس والاستماع إلى الخائضين؛ وذلك حيث يقول الله ـ تعالى ـ: {إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ} . فلم يكن أحد في المدينة وخاصة بعد انتصار المسلمين في بدر، يستطيع أن يجهر بالخوض في آيات الله، واقتصر ذلك على المنافقين أو اليهود في مجالسهم الخاصة التي لا يطلع عليها غيرهم، ولذلك كان القرآن إذا نزل يخبر عن أقوالهم وأفعالهم؛ إذ ينظر بعضهم لبعض ويقول: هل سمع خبركم أو رآكم أحد، فأخبر محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بذلك؟ وهذا من قلة علمهم وفقههم؛ لأن الله ـ عز وجل ـ هو الذي يخبره. والمقصود أنهم كانوا يسرون ولا يجهرون، قال الله ـ تعالى ـ مبينًا ذلك: {وَإذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127] . قال القرطبي: المنافقون: «إذا حضروا الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يتلو قرآنًا أنزل فيه فضيحتهم أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر بعضهم إلى بعض نظر الرعب على جهة التقرير يقول: هل يراكم من أحد إذا تكلمتم بهذا، فينقله إلى محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ وذلك جهل منهم بنبوته عليه السلام، وأن الله يطلعه على ما يشاء من غيبه» (13) .

وإذا كانت وسيلة نشر الأقوال في الزمن الغابر هي الجلوس إلى صاحب القول والاستماع منه؛ فإن الوسائل قد تعددت الآن وتنوعت، وإذا كان المسلمون ممنوعين من الجلوس والاستماع لمن يخوض في دين الله؛ فإن المنع ليس قاصرًا على الوسيلة، وإنما هو المنع من الاستماع للباطل، فيعم ذلك كل وسيلة تؤدي الغرض نفسه.

ومن الأدلة على ذلك أن يقال: إن الله ـ تعالى ـ ما أنزل كتبه ولا أرسل رسله إلا للنهي عن الشرك كما قال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] وآيات كثيرة في ذلك، وقال ـ تعالى ـ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ؛ فهذا أعظم مقصد من مقاصد بعثات الرسل على تعدد الأزمان؛ فكيف يقال إنه تباح الدعوة إلى ما يناقض ذلك، وأنه يحق لكل أحد التعبير عن ذلك ونشره بين الناس؟ ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ..» (14) . فإذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مأمورًا بقتال الناس من أجل توحيد الله تعالى؛ فكيف يقال: ينبغي أن تعطى للكافر الحرية ليدعو إلى كفره وشركه أو مناقضة ما هو معلوم من دين الإسلام؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت