فهرس الكتاب

الصفحة 690 من 743

وقد عمل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ومَنْ بعدَهم من أهل العلم بما دل عليه الكتاب والسنة؛ فقد جاء في الشروط العمرية (15) ، التي تؤخذ على أهل الذمة: «ولا نُرغِّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحدًا» ، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في شرح هذه الفقرة من الشروط العمرية: «هذا من أوْلى الأشياء أن ينتقض العهد به» (16) ؛ فبين ـ رحمه الله ـ أن العهد ينتقض بذلك؛ وانتقاض العهد يحل دمه وماله. وذكر في الفروع أن العهد ينتقض بـ «ذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء» (17) ، وكذلك الأمر لو «فتن مسلمًا عن دينه» (18) ، وبعض أهل العلم يقول: ينبغي على الإمام أن يشترط عليهم أن من فعل ما تقدم ذكره ينتقض عهده، وإن لم يشترط ذلك في العقد فلا ينتقض عهده بذلك، ويعللون ذلك بأن من دينهم سب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وسب الإسلام، لكنهم يمنعون من إظهار ذلك؛ فأهل العلم متفقون على منعهم من إظهار الطعن في ديننا والانتقاص له، والخلاف بينهم هل يُعَدُّ ذلك منهم نقضًا للعهد حتى لو لم يشترط عليهم في أصل العقد، أم لا يكون ناقضًا إلا بالاشتراط (19) ؛ فقد دلت الآيات والأحاديث ومقاصد الدين وكلام أهل العلم على عدم جواز السماح للكفار بنشر أقوالهم أو أفكارهم المناقضة للإسلام، فلا ينبغي أن يسمح لهم بذلك، ولا تجوز معاونتهم فيه؛ لأن التعاون المشروع هو التعاون على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان. قال الله ـ تعالى ـ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] ، وقد دلت النصوص أن من عاون أو ساعد في ذلك فله من جرمهم نصيب. قال الله ـ تعالى ـ: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25] ، ولكن هذا لا يمنع من مناقشة الكافرين ودعوتهم إلى الإسلام ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وسماع ما عندهم من شبهات أو اعتراضات تصرفهم عن الدين، والجواب عنها، ولا مانع من أن تُعقد جلسات لذلك بين الدعاة المسلمين وبين المدعوين الكفار لعرض الإسلام عليهم وبيان حقائقه ومزاياه، لكن هذا لا يستلزم السماح لهم بنشر أفكارهم المخالفة للإسلام والدعوة إليها بوسائل النشر المعلومة؛ إذ لا ارتباط بين دعوتهم إلى الإسلام وبين السماح لهم بعرض ما عندهم على الناس.

الموقف من فكر المسلم المخالف:

عندما نتكلم عن المسلم فإنما نتكلم عن الشخص الذي يُحكَم له بالإسلام شرعًا، وليس عمن هو مولود لأبوين مسلمين، أو من كان مسمى باسم من أسماء المسلمين؛ لأنه يوجد في وقتنا الحاضر أناس لهم أسماء إسلامية لكنهم اعتنقوا آراءً وأفكارًا خرجت بهم من حظيرة الإسلام؛ فالشخص الذي لا يرى الإسلام ناسخًا لما سبقه من الرسالات، ويرى أن المسلمين واليهود والنصارى كلهم مؤمنون وأنهم ناجون في الآخرة، وأن الاختلاف بينهم كالاختلاف بين المذاهب الفقهية، وكذلك الذي يرى أن الإسلام صالح فقط لحياة البداوة، وأنه قد استنفد أغراضه، وأنه لم يعد صالحًا للحياة المعاصرة، وكذلك الذي يرى أن الحدود الشرعية عقوبات غير مناسبة للعصر الحديث، وأنه ينبغي استبدالها، وكذلك الذي يرى أنه ينبغي المساواة بين الذكر والأنثى في قسمة الميراث، وكذلك الذي يرى أن الشاب أو الفتاة إذا بلغا سن الرشد فإن لكل منهما أن يقيم ما شاء من علاقات «جنسية» خارج إطار الزواج ولا حرج عليه أو لوم في ذلك، ونحو هذا الكلام؛ فإن كل هؤلاء قد خرجوا من حظيرة الإسلام باتفاق العلماء؛ لأنهم أنكروا معلومًا من الدين بالضرورة، وإن كانت لهم أسماء إسلامية، وإن كانوا ما زالوا يؤمنون ببعض ما جاء به الشرع: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْملُون} [البقرة: 85] . ونحن هنا لا نتكلم عن هؤلاء؛ لأن هؤلاء يدخلون في الصنف الذي تقدم الكلام عنه، وإن كان هؤلاء من حيث الحقيقة لا يكون لهم وجود في دار الإسلام؛ لأن المرتد لا يُقَر على ردته؛ فإما أن يتوب ويرجع وإما أن يُقتل، وإنما يُتصور وجود هؤلاء: إما في بلاد الكفر، وإما في بلاد المسلمين التي لا تلتزم شرع الله، وأما في البلاد التي تلتزم شرع الله فإن هؤلاء يسرون ذلك الكلام ويخفونه، ولا يبوحون به إلا لأمثالهم؛ فهم في هذه الحالة منافقون. والمراد بحديثنا في هذه الفقرة المسلم المحكوم له بالإسلام شرعًا، وهنا أيضًا نقسم الفكر إلى نوعين:

نوع في مسائل الدين أو متعلق بمسائل الدين، ونوع متعلق بمسائل الدنيا البحتة:

الفكر الدنيوي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت