فهرس الكتاب
لا تلزم الشريعة المسلمين باتباع نمط واحد في الفكر الدنيوي ولا تحجر عليهم في ذلك، ولا تمنعهم من نشر ما لديهم من الأفكار النافعة المفيدة التى تنفع المسلمين في حياتهم الدنيا، ولا بأس من تحاور المسلمين في ذلك وعقد المناقشات أو الندوات والمؤتمرات التي يعرض فيها كلٌ ما عنده، وليس من اللازم أن يتفق المسلمون في هذا النوع من الفكر، ولا يلام أحد على الخلاف في هذا الباب، وليس في منع هذا النوع حجة شرعية يُستند إليها، كما أنه ليس في منعه فائدة دنيوية، ويجوز نشر هذا النوع من الفكر بوسائل النشر المتعددة، لكن ينبغي أن يكون ذلك من أجل تقديم شيء مفيد نافع أو الوصول إلى شيء مفيد نافع، وأن يتكلم الإنسان فيما يحسن من الأمور، وأن لا يكون الحديث أو النشر هو الغاية؛ إنما الغاية تحقيق مصلحة حقيقية من وراء ذلك، ولا يضر المسلم بعد ذلك الخطأ في هذا النوع من الفكر.
الفقه في الدين:
النوع الثاني من الفكر هو الفقه في الدين، وهو ليس فكرًا بالمعنى المتداول بين الناس «أي تكوين آراء قائمة على التأمل في الواقع من خلال الخبرات المكتسبة وإعمال العقل انطلاقًا من تلك الخبرات» ، وإنما الفقه هو: فهم المراد من نصوص الشرع ـ سواء أكانت النصوص تتعلق بمسائل الأصول أو بمسائل الفروع ـ وتقديم الآراء والحلول لما يجدُّ من أشياء وأمور استنادًا إلى النصوص الشرعية والفقه فيها، والخلاف في فهم النصوص الشرعية أمر متصوَّر وممكن الحدوث، وقد وقع فعلًا، وله أنوع:
1 ـ خلاف في مسائل الأصول (العقيدة) :
والعقيدة هي كل ما يجب على المسلم اعتقاده يقينًا من غير شك أو ارتياب ولا يجوز له مخالفته، والعقيدة التي تتمتع بذلك هي عقيدة «أهل السنة والجماعة» وهي ـ بحمد الله ـ مدونة مسطورة، محددة مضبوطة، وما خالف هذه العقيدة فهو البدعة كبدعة الخوارج والمعتزلة والمرجئة والشيعة والجهمية والروافض (وهاتان الأخيرتان قد تكلم أهل العلم في تكفيرهما) ، وقد نهى أهل العلم قديمًا وحديثًا عن الجلوس إلى أهل البدع والاستماع لما هم عليه (وإن قلتَ: أرد عليهم؛ فقد تدخل عليك شبهتهم ولا تستطيع ردها فتصبح بعدها متحيرًا مضطربًا) .
قال في فتح القدير في قول الله ـ تعالى ـ: {وَإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ} [الأنعام: 68] : «وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة؛ فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه، فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم (20) » .
وإذا كان الدعاة إلى البدع ـ كما قرر أهل العلم من السلف والأئمة ـ لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون عقوبة لهم حتى ينتهوا عمّا هم فيه (21) ؛ فكيف يجوز نشر بدعهم والسماح بذلك بزعم «حرية الفكر» أو «حق التعبير» أو «إشاعة ثقافة التعدد» أو «إطلاق روح الإبداع» ، ومثل هذه العبارات التى لا يترتب عليها غير إفساح الطريق أمام الدعوات الضالة والمنحرفة عن الصراط المستقيم لتغزو العقول والنفوس، وتؤثر في الأفكار والتصورات لتنتج في النهاية مجتمعًا متناقضًا متعارضًا، لا يرجى منه نفع ولا يعوَّل عليه في تحقيق هدف.
فالدعوة إلى الضلال لا تجوز ويتحمل الداعي وزر ذلك، وكذلك المعِين على ذلك أو المساعد فيه، وقد قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (22) .
وقد منع أهل العلم قديمًا وحديثًا من نشر الأقوال المضلة، وقالوا بحرق أو إتلاف الكتب المشتملة على تلك العلوم الباطلة. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أوْلى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف، أو إتلاف آنية الخمر؛ فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها» (23) . وقال النووي: «قال أصحابنا: ولا يجوز بيع كتب الكفر؛ لأنه ليس فيها منفعة مباحة، بل يجب إتلافها... وهكذا كتب التنجيم والشعوذة والفلسفة، وغيرها من العلوم الباطلة المحرمة؛ فبيعها باطل؛ لأنه ليس فيها منفعه مباحة والله ـ تعالى ـ أعلم» (24) . وقد ظهر في عصرنا الحاضر عدد من البحوث التي تدعو إلى مذهب المرجئة وتنتصر له، فأفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية في السعودية بعدم جواز نشر هذه الكتب أو طباعتها.
ومن الأدلة على عدم جواز نشر أفكار البدع والضلالات الكثرة الكاثرة من النصوص الشرعية التي تُلزم المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فكيف يكون هناك تقيد والتزام بتلك النصوص مع القول بجواز نشر البدع تحت زعم «حرية النشر» و «حق التعبير» ونحو ذلك الكلام؟
ومن الأدلة أيضًا قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعدما تلا قوله ـ تعالى ـ: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (25) ؛ فإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أمرنا بالحذر منهم؛ فكيف يُعطَوْن الحق في التعبير أو نشر ما حذَّر منه الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟