عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ».نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلاَةَ وَهُوَ فِى بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِى تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّى بِنَا. [1]
وانظر هذا الشرح النفيس لهذا الحديث الشريف لخاتمة الحفاظ الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، وهو يقف على هذا الحديث وقفة رائعةً تفصيلية، لترى أن التربية النبوية للأطفال نستطيع أن نستخلص منها الشيء العجاب، وأن الأمة الإسلامية كيف انتكست في أصولها التربوية، عندما بدأت تصدق فلان وعلان، وابتعدت على محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - سيد الخلق وإمام المرسلين ؟!!
ونبدأ بابن القاص رحمه الله:"قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَفِيمَا رُوِّينَا مِنْ قِصَّةِ أَبِي عُمَيْرٍ سِتُّونَ وَجْهًا مِنَ الْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ، وَفُنُونِ الْفَائِدَةِ وَالْحِكْمَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ الْمَاشِي أَنْ لَا يَتَبَخْتَرَ فِي مِشْيَتِهِ وَلَا يَتَبَطَّأَ فِيهِ، فَإِنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا مَشَى تَوَكَّأَ كَأَنَّمَا يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ، وَمِنْهَا أَنَّ الزِّيَارَةَ سُنَّةٌ، وَمِنْهَا الرُّخْصَةُ لِلرِّجَالِ فِي زِيَارَةِ النِّسَاءِ غَيْرِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَمِنْهَا زِيَارَةُ الْحَاكِمِ الرَّعِيَّةَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ إِذَا خَصَّ الْحَاكِمُ بِالزِّيَارَةِ وَالْمُخَالَطَةِ بَعْضَ الرَّعِيَّةِ دُونَ بَعْضٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَيْلٍ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ لِلْحُكَّامِ ذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا كَانَ فِيهِ وَجْهٌ مِنْ تَوَاضُعِ الْحَاكِمِ لِلرَّعِيَّةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ الْحِجَابِ لِلْحُكَّامِ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسِيرَ وَحْدَهُ، وَأَنَّ أَصْحَابَ الْمَقَارِعِ بَيْنَ يَدَيِ الْحُكَّامِ وَالْأُمَرَاءِ مُحْدَثَةٌ مَكْرُوهَةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بِمِنًى عَلَى نَاقَةٍ لَهُ لَا ضَرَبَ وَلَا طَرَدَ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ، وَفِي قَوْلِهِ:"يَغْشَانَا"مَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ زِيَارَتِهِ لَهُمْ، وَأَنَّ كَثْرَةَ الزِّيَارَةِ لَا تَخْلُقُ الْحُبَّ وَالْمَوَدَّةَ وَلَا تُنْقِصُهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا طَمَعٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ:"زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا"كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا رَأَى فِي زِيَارَتِهِ مِنَ الطَّمَعِ ؛ لِمَا كَانَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ حَتَّى دَعَا لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مِزْوَدَةٍ، وَكَانَ لَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهَا إِلَّا أَخَذَ حَاجَتَهُ فَحَصَلَتْ لَهُ الزِّيَارَةُ دُونَ الطَّمَعِ، وَفِي قَوْلِهِ:"يُخَالِطُنَا"، مَا يَدُلُّ عَلَى الْأُلْفَةِ بِخِلَافِ النُّفُورِ، وَذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِ، كَمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ"الْمُؤْمِنُ أَلُوفٌ،
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (6203 ) -النغير: تصغير نغر وهو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار