في حالة الكبر والضعف .. «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما» وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق، وما يشي بالإهانة وسوء الأدب .. « وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا» وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام. «وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» وهنا يشف التعبير ويلطف، ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان. فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا، ولا يرفض أمرا. وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانا بالسلام والاستسلام. «وَقُلْ: رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» فهي الذكرى الحانية. ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الولدان، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان. وهو التوجه إلى اللّه أن يرحمهما فرحمة اللّه أوسع، ورعاية اللّه أشمل، وجناب اللّه أرحب. وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء.
ولأن الانفعالات والحركات موصولة بالعقيدة في السياق، فإنه يعقب على ذلك يرجع الأمر كله للّه الذي يعلم النوايا، ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال: «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ، إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا» .وجاء هذا النص قبل أن يمضي في بقية التكاليف والواجبات والآداب ليرجع إليه كل قول وكل فعل وليفتح باب التوبة والرحمة لمن يخطىء أو يقصر، ثم يرجع فيتوب من الخطأ والتقصير.
وما دام القلب صالحا، فإن باب المغفرة مفتوح. والأوابون هم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين. [1]
قال القنوجي:" { وقل لهما قولا كريما } لطيفا لينا جميلا سهلا أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته مع حسن الأدب والحياء والاحتشام قال محمد بن زبير يعني إذا دعواك فقل لبيكما وسعديكما وقيل هو أن يقول يا أماه يا أبتاه ولا يدعوهما بأسمائهما ولا يكنيهما" [2]
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2221)
(2) - حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة - (1 / 129)