تشكل العاطفة مساحة واسعة في نفس الطفل الناشئ، وهي تكوّن نفسه وتبني شخصيته، فإن أشبعها بشكل متوازن كان إنسانًا سويًا في حياته كلها وإذا اختل هذا التوازن بالزيادة أو النقصان تشكلت لديه عقد لا تحمد عقباها.. فالزيادة تجعله مدللًا لا يقوم بتكاليف الحياة بجدٍّ ونشاط؛ ونقصانها يجعله إنسانًا قاسيًا عنيفًا على كلِّ مَن حوله، لذلك فإن البناء العاطفيَّ له أهمية خاصة في بناء نفس الطفل وتكوينه. وهذا البناء يلعب فيه الوالدان الدور الأكبر، إذ هما المصدر الأساسي لأشعة العاطفة التي تبني نفسه، وهما الركن الرشيد، الذي يأوي إليه الطفل، لينعم بحرارة العاطفة، ونعمة الأبوة والأمومة، لذلك نجد في نهاية هذا الفصل أهتمامًا كبيرًا لصنفين من الأطفال، يقلل الوالدان أو أحدهما العطف عليه، وهما البنت واليتيم، ونظرًا لاهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالأطفال، فإنه عني بهما عناية خاصة، ومنزلة خاصة، فحبذا المجتمع المسلم يقوم بدور الأب لهذا اليتيم، وحبذا الوالدان يهتمان بتربية البنت، ورعايتها، ومساواتها مع أخيها الذكر.
بقي السؤال: كيف نبني عاطفة الطفل ونؤدي له حقه ليكون إنسانًا سويًا في حياته؟
للجواب على هذا السؤال ستكون لنا جولة مع المربي الأول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاستنباط الأسس الهامة التي بها نكون قد سرنا على خطى ثابتة مصدرها السنَّة النبوية.
أسس البناء العاطفي:
الأساس الأول- القبلة والرأفة والرحمة بالأطفال:
إن للبشاشة والقبلة دورًا فعّالًا في تحريك مشاعر الطفل وعاطفته، كما أن لهما دورًا كبيرًا في تسكين ثورانه وغضبه، بالإضافة إلى الشعور بالارتباط الوثيق في تشييد علاقة الحب بين الكبير والصغير، وهما دليل رحمة القلب والفؤاد لهذا الطفل الناشئ وهما برهان على تواضع الكبير للصغير.. وهما النور الساطع الذي يبهر فؤاد الطفل، ويشرح نفسه، ويزيد من تفاعله مع من حوله.. ثم هما أولًا وأخيرًا السنَّةُ الثابتة عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مع الأطفال..