وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ لِيَسْتَوُوا فِي الْبِرِّ وَلَا يُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيُوقِعُ ذَلِكَ لَهُ الْوَحْشَةَ فِي قُلُوبِ الْمَفْضُولِينَ مِنْهُمْ.فَإِنْ نَحَلَ بَعْضَهُمْ شَيْئًا دُونَ بَعْضٍ وَقَبَضَهُ الْمَنْحُولُ لِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ قَبَضَهُ لَهُ أَبُوهُ مِنْ نَفْسِهِ إِنْ كَانَ صَغِيرًا بِإِعْلَامِهِ إِيَّاهُ وَالْإِشْهَادِ بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ.وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ النُّعْمَانِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَى مَا ذَكَرُوا وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ صَغِيرًا وَلَعَلَّهُ وَقَدْ كَانَ كَبِيرًا وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ.وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحَلَنِي نُحْلَى لِيُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ:"أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا"فَقَالَ: لَا.قَالَ:"أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ كُلُّهُمْ سَوَاءً"قَالَ: بَلَى قَالَ:"فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (حسن)
فَكَانَ وَالَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِبَشِيرٍ فِيمَا كَانَ نَحَلَهُ النُّعْمَانُ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي.فَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ.فَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْعَقْدِ الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ النُّعْمَانُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ يَتَوَقَّى الشَّهَادَةَ عَلَى مَالِهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ كَانَتْ.وَكَذَلِكَ لِمَنْ بَعْدَهُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا هِيَ أَمْرٌ يَتَضَمَّنُهُ الشَّاهِدُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ فَلَهُ أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ ذَلِكَ.وَقَدْ يُحْتَمَلُ غَيْرُ هَذَا أَيْضًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي أَيْ: إِنِّي أَنَا الْإِمَامُ وَالْإِمَامُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنَّمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْكُمَ .وَفِي قَوْلِهِ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ .
وعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ (صحيح) "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَأَنَّ الْمَقْصُودَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ لِيَسْتَوُوا جَمِيعًا فِي الْبِرِّ.وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ فَسَادِ الْعَقْدِ الْمَعْقُودِ عَلَى التَّفْضِيلِ
وعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ مِنَ الْأَشْهَادِ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ عَطِيَّةً وَإِنِّي أُشْهِدُكَ.قَالَ:"أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا ؟"