الإعجاب من الناس. قال المروذي: قال لي أبو سراج بن خزيمة -وهو ممن كان مع أحمد في الكتّاب-: إن أبي جعل يعجب من أدب أحمد وحسن طريقته. فقال لنا ذات يوم: أنا أنفق على أولادي وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، انظر كيف يخرج؟ وجعل يعجب. وكان الهيثم بن جميل يقول عن أحمد: أحسب هذا الفتى -إن عاش- يكون حجة على أهل زمانه [1] .
5-طفولة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة:
قال أبو يوسف: كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقلّ، رثّ الحال، فجاء أبي يومًا وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بني ! لا تمدّن رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشويّ، وأنت تحتاج إلى المعاش، فقصرت عن كثير من الطلب، وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري، قال لي: ما شغلك عنا ؟ قلت: الشغل بالمعاش، وطاعة والدي، فجلست، فلما انصرف الناس دفع إليّ صرّة وقال: استمتع بهذه، فنظرت فإذا فيها مئة درهم، فقال لي: الزم الحلقة وإذا نفذت هذه فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مئة أخرى، ثم كان يتعاهدني، وما أعلمته بخلّة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء ما، وكان كأنه يخبر بنفادها حتى استغنيت وتموّلت .
وهناك رواية ثانية في نشأة الإمام أبي يوسف:قال علي بن الجعد: أخبرني أبو يوسف، قال: توفي أبي إبراهيم بن حبيب وخلفني صغيرا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصّار أخدمه، فكنت أدع القصّار وأمرّ إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أستمع، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي، وتذهب بي إلى القصّار، وكان أبو حنيفة يعنَى بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي، وطال عليها هربي، قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبيّ فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مُرِّي يا رعناء ! هو ذا