فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 964

وسهرك، فقلت له: أيّها الجاهل. تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف، وما طالت طريق أدّت إلى صديق:

جزى اللّه المسير إليه خيرا ... وإن ترك المطايا كالمزاد.

ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشّدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصّبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلّا عند الماء، فكلّما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همّتي لا ترى إلّا لذّة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أنّي عرفت بكثرة سماعي لحديث الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه وتابعيهم - رضي الله عنهم - م أجمعين- [1] .

وقال أيضًا: لم أقنع بفن واحد بل كنتُ أسمعُ الفقه والحديث، وأتبعُ الزُّهاد، ثم قرأتُ اللغة، ولم أتركْ أحدًا ممن يروي ويعظ، ولا غريبًا يقدمُ إلا وأحضرهُ، وأتخيَّرُ الفضائل. ولقد كنتُ أدورُ على المشايخ لسماعي الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أُسبق [2] ..

8-طفولة ابن سينا رحمه الله:

لما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن خفظ القرآن العزيز، والأدب، وحفظ أشياء من أصول الدين، والحساب والجبر والمقابلة، ثم أحكم علم المنطق، وإقليدس والمجَسطي، وفاق شيخه ( الحكيم أبا عبد الله الناتلي) أضعفًا كثيرة، وكان مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد، واشتغل بتحصيل العلوم الطبيعي والإلهي، وفتح الله عليه أبواب العلوم، ثم رغب بعد ذلك، في علم الطب، وتأمل الكتب المصنفة فيه، وعالج تأدبًا -أي تعلمًا وتعليمًا -لا تكسبًا، وعلم الطب حتى فاق فيه الأوائل والأواخر في أقل مدة، وأصبح فيه عديم النظير، فقيد المثيل، واختلف إليه فضلاء هذا الفن وكبراؤه، يقرؤون عليه أنواعه،

(1) - نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم - (7 / 3005) و صيد الخاطر لابن الجوزي (218- 219) .

لا وقع له: أي لا ألم له. - المطايا: جمع مطية: الدابة التي تركب.- المزاد: أي المزادة وهي القربة من الجلد إذا كانت خالية من الماء- وأرجو: أي أطلبه من العلم وأرجوه من تحصيل الثواب ونفع الناس بالدعوة إلى اللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت