[السُّؤَالُ] ـ[السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كانت زوجتي حاملًا وبعض الطبيبات قلن إن حالتها خطرة. امتنعت عن إرسالها للمستشفى خوفا من فحص الأطباء من الرجال لها وكانت تذهب لعيادة محلية يوجد بها طبيبات ولكن في نهاية الأمر ذهبت للمستشفى بناء على طلب طبيبات العيادة وهناك قام بعض الأطباء بفحصها وقامت طبيبة بتوليدها, ولم أرض عن فحص الأطباء من الرجال لها. لكن بعد الوضع توفي المولودان (توأم) بعد عدة أيام.
هل ارتكبت إثمًا بمنعي لها الذهاب للمستشفى. لأن سبب وفاة الطفلين هو ولادتهما المبكرة وكان من المفترض أن أرسلها للمستشفى منذ بداية الخطورة؟
وهل ارتكبت الزوجة إثمًا بمعصيتي وكشف الطبيب عنها علما بأني أمرتها بأن لا ترضى بفحص الأطباء من الرجال؟] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فالأصل أن المرأة لا يجوز أن تتعالج إلا عند امرأة، وأن الرجل لا يجوز أن يتعالج إلا عند رجل وذلك للاحتياط في حفظ العورات، والابتعاد عن مظان الفتنة ومواطن الريبة.
ولكن هذا الأصل قد لا يراعى شرعًا إذا كانت حالة المريض خطرة ولم يوجد طبيب من جنسه ذو كفاءة كافية لدفع الخطر، فيجوز حينئذ أن تتعالج المرأة عند الطبيب، وأن يتعالج الرجل عند الطبيبة حفظًا للنفس، ودفعًا للضرورة ورفعًا للمشقة والحرج، فالضرورات تبيح المحظورات كما هو مقرر.
وهذه طبيعة شرع الحكيم العليم اللطيف الخبير سبحانه وتعالى جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، وتحقيق أعظم الخيرين في حال السعة والاختيار وارتكاب أخف الشرين في حالة الاضطرار.
وبناءً على ما تقدم، فليس من الفقه بشرع الله تعالى أن تمنع زوجتك من مراجعة الأطباء بعد ما ثبت أن حالتها خطرة تستدعي مراجعتهم، وأن الطبيبات لا يمتلكن الكفاءة اللازمة لدفع الخطر عنها، وعن من في بطنها، فليس منعها والحالة هذه مما أذن فيه شرع الله تعالى فضلًا عن أن يكون مما شرع، وليس هو من الغيرة المحمودة، بل كان الواجب عليك أن تذهب بها إلى الأطباء الأكفاء، وتحضر الكشف عليها حتى لا يختلي بها الطبيب، وحتى لا يكشف عما لا تدعو ضرورة العلاج للكشف عنه. فإن لم يمكن حضورك فلتحضر معها امرأة تنتفي بها الخلوة ويندفع بحضورها احتمال وقوع الفتنة.
أما الآن وقد حصل ما حصل فنسأل الله تعالى أن يغفر لك ويتوب عليك وأن يخلفك خيرًا مما أخذ منك، ونرجو أن لا تكون آثمًا بما صدر منك من خطأ لأن الدافع لك إنما كان الحرص على حفظ حرمك وصيانتها، ولم تكن تقصد إلحاق الضرر بها أو بجنينها، بل لعلك كنت تظن أن منعك لها متعين عليك شرعًا، فنرجو أن يكون خطؤك مغفورا، ً لقول الله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) [البقرة:286] وفي الحديث الصحيح أن الله سبحانه وتعالى قال: قد فعلت. وذلك لما دعا المسلمون بهذا الدعاء.
وفي الحديث الصحيح أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه أخرجه ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه.
فعليك أن تتوب إلى الله تعالى وتستغفره ثم عليك بعد هذا الحدث أن لا تقدم على أمر لا تعرف حكمه حتى تسأل أهل العلم عن حكم الله تعالى فيه كما أمرك ربك حيث قال: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وفي المسند والسنن عن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه، فقال: هل ترون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك، فقال:"قتلوه قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب"قال الشيخ ناصر الدين: حسن دون قوله: إنما كان يكفيه ... إلخ.
ثم إن قرر أهل الخبرة من الأطباء الثقات أن سبب موت الولدين هو منعك زوجتك من مراجعة الأطباء فإن عليك كفارتين، كل واحدة منهما عتق رقبة مؤمنة، فإن لم تجدها فصيام شهرين متتابعين.
وعلى عاقلتك ديتان تدفعان لورثة الولدين غيرك، لأن المتسبب في القتل لا يرث من دية المقتول.
ودليل وجوب الكفارة والدية قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء:92]
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 25 جمادي الأولى 1423