الكافي وأبي معشر الطبري (ت 478هـ) صاحب التلخيص وغيرهم كانت الحد الفاصل في التفرقة بين القراءات الصحاح والقراءات الشواذ، وبخاصة مؤلفات الداني بما لقيته من شهرة وإقبال دراسيّ عليها وبما حظيت به الشاطبية (نظم التيسير) من شرح ودرس [1] .
ويدل على ذلك أن في مؤلفات القرن الرابع مثل كتاب السبعة لابن مجاهد قراءات متواترة عند ابن مجاهد وتلميذه ابن خالويه شذّذها رجال القرن الخامس ومن بعدهم كقراءة ابن كثير (غير المغضوب) في الفاتحة بنصب (غير) وقراءات شواذّ وردت في مختصر البديع لابن خالويه مثل قراءة ابن كثير برواية البزي (سحاب ظلمات) النور / 40بالإضافة [2] اعتدها متواترة مقرءو القرن الخامس ومن بعدهم [3] . وفي ضوء ذلك يمكن القول إن عصر الداني هو العصر الذي استقرت فيه الحدود بين القراءات الصحاح والقراءات الشواذّ [4] .
وقد أدى التأليف في القراءات السبع والإقبال عليها اكثر من غيرها إلى انتشار شبهة مفادها أنّ ما سوى القراءات السبع شاذّ لا يقرأ به [5] . ولدفع هذه الشبهة وضع العلماء ضابطا تعرف به القراءة المقبولة وتتميز به عن غيرها. قال ابن الجزري:
«كلّ قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصحّ سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها ولا يحلّ إنكارها بل هي من
(1) ر: القراءات القرآنية / 50.
(2) ر: مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع لابن خالويه / 102.
(3) ر: التيسير في القراءات السبع / 162والنشر 2/ 332.
(4) ر: القراءات القرآنية / 50.
(5) قال ابن الجزري: «شاع عند من لا علم له من الغوغاء الطغام أنه لا قراءة إلا الذي في هذين الكتابين التيسير والشاطبية وأن الأحرف السبعة المشار إليها بقوله صلّى الله عليه وسلّم: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) هي قراءات هذه السبعة القراء وأن ما عدا ما في هذين الكتابين من القراءات شاذ لا يقرأ به ولا يصح قرآنا، وكل قول من هذه الأقوال ونحوها باطل لا يلتفت إليه وخلف لا يعول عند علماء الإسلام عليه» . ر: تحبير التيسير / 7.