ذكر الله فضل بيت طاهر طيب وهم: آل عمران بقوله: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران 3/ 33] والمراد بعمران هذا: والد مريم عليها السلام، ثم بين أصل ميلاد مريم وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى عليه السلام بما قصه علينا في سورتي: آل عمران ومريم
وقد استجاب الله دعاء امرأة عمران كما في الحديث الصحيح: عن أبي هريرة _ قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان غير مريم وابنها. ) )ثم يقول أبو هريرة _ {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [سورة آل عمران 3/ 36] [1] وفي رواية (( كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان بحضنيه الا ما كان من مريم وابنها ألم تروا إلى الصبي حين يسقط كيف يصرخ قالوا بلى يا رسول الله قال فذاك حين يلكزه الشيطان بحضنيه. ) ) [2]
وقد فضل الله مريم وكرمها على نساء العالمين, بل جعلها الله من كمل النساء القليلات كما قال صلى الله عليه وسلم: (( خير نسائها مريم ابنة عمران وخير نسائها خديجة. ) )وفي رواية: (( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. ) ) [3]
وقد منّ الله عليها أن جعلها صديقة بقوله تعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [سورة المائدة 5/ 75] [4] ، ثم جعل لها الكرامة العظيمة حين انفردت بالحمل من غير زوج، ورزقها بنبي من أولى العزم من الرسل, ولكن حين أتت به قومها من بني اسرائيل تحمله اتهموها بقولهم: {يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} فأنطق الله عبده ورسوله عيسى، وكان أول كلام تفوه به {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [سورة مريم 19/ 30] ، اعترف لربه تعالى بالعبودية وأن الله ربه فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: {آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [سورة مريم 19/ 30] .
قال ابن كثير رحمه الله:"فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا كما قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا = 156} [سورة النساء 4/ 156] وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنا في زمن الحيض، فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة، واتخذ ولدها نبيًا مرسلًا أحد أولي العزم الخمسة الكبار" [5]
وكما هي عادة اليهود فقد وصل أذاهم إلى أم نبي الله عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل وسمى الله ماقالوه فيها: {بُهْتَانًا عَظِيمًا} فيزعمون: أنها فجرت, وزنت, مع يوسف النجار الذي كان معها يتعبد في المحراب كما ورد في بعض الآثار. [6]
والبهتان العظيم هو التعريض لها أي قولهم: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [سورة مريم 19/ 28] أي أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد وفقولهم: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} [سورة مريم 19/ 27] جوابه {وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} [سورة النساء 4/ 156] [7]
وقد أوضح الله براءتها مع بيان سبب حملها بعيسى عليه السلام من غير زوج وذلك في قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا = 16 فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا = 17 قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ
(1) صحيح البخاري ج 3/ص 1265 واللفظ له ورواه مسلم ج 4/ص 1838
(2) رواه أحمد ج 2/ص 368
(3) صحيح البخاري ج 3/ص 1265 وج 3/ص 1252
(4) والصديقة: الفعيلة من الصدق، وكذلك قولهم فلان صديق: فعيل من الصدق، ومنه قوله تعالى ذكره: {والصديقين والشهداء} وقد قيل: إن أبا بكر الصديق _ إنما قيل له ذلك لصدقه، وقد قيل: إنما سمي صديقا لتصديقه النبي ' في مسيره في ليلة واحدة إلى بيت المقدس من مكة وعوده إليها. تفسير الطبري 6/ص 314.
(5) البداية والنهاية ج:2 ص:68
(6) تاريخ الطبري (1/ 594 - 595) وهكذا عند اليهود في التلمود يسمونه «ابن النجار» وتارة يقولون: «أم الرجل المعين» يقصدونه وهكذا يصف اليهود نبيهم أنه ابن غير شرعي حملته أمه وهي خائض انظر الكنز المرصود للشرقاوي (بتصرف) ص 252 ـ.
(7) أضواء البيان - الشنقيطي ج 5/ص 436 بتصرف يسير