الله أظهر أمرهم، وفضح نيتهم، ورد كيدهم في نحورهم، ذاك أنه عندما سمع أسامة بن زيد بن حارثة هذه المقالة، سأل أباه عن الحقيقة، يقول أسامة: (( فجئت حتى خلوت بأبي فقلت أحق ما تقول؟ فقال: إي والله حق ما أقول، فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت: أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين، لنقدمنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم فليضربن عنقك، فقال: إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه. ) ) [1]
أما كعب بن الأشرف، وهو من أشد اليهود عداء قال: (أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يُسمِّي هذان الرجلان؟ - يعني زيدًا وعبد الله بن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمدًا أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.) [2] ولم يكتف بهذا، بل إنه ذهب إلى قريش يندب قتلاها، ويحرض على أخذ الثأر، كما تقدم.
وقعت غزوة أحد في السنة الثالثة في شهر شوال منها، وكان لليهود فيها عن طريق المنافقين دور لا يخفى، حيث رجع عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، ولم يقاتل في ذلك اليوم هو ومن تبعه من المنافقين واليهود، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد استشار جملة من المسلمين في أن يخرج لمواجهة قريش خارج المدينة، أو أن ينتظرهم داخلها، فأشار عليه البعض ومنهم ابن أُبي بأن لا يخرج، بينما رأى آخرون الخروج وملاقاة قريش خارج حدود المدينة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأخذ برأي ابن أبي، رجع ومعه ثلث جيش المسلمين.
يروى ابن إسحاق هذه القصة قائلًا:"حتى إذا كانوا بالشَّوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا! أيها الناس فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب واتَّبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بني سلمة يقول: (( يا قوم أذكّركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى"
(1) البداية والنهاية ج:3 ص:304
(2) سيرة ابن هشام، 2/ 51.