"وكان هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا صالح قومًا فنقض بعضهم عهده وصلحه وأقرّهم الباقون ورضوا به، غزا الجميع وجعلهم كلهم ناقضين" [1] .
وهذا ما أكَّدَه التاريخ قديمًا وحديثًا فقد عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة كما مَرّ معنا ونقضوا عهودهم في خسَّةٍ ونذالةٍ. وأمّا في العصر الحديث فالعالم كُلّه شاهدٌ على نقض العهود والوعود، بل إنّ اليهود يتخذون الوعود والمواثيق أسلوبًا وسبيلًا للوصول إلى أغراضهم، فقد يعقدون المعاهدة حتى يلتقطوا أنفاسهم ويُعِدُّوا أنفسهم. فإذا تحقق لهم ما أرادوا ينكثون العهد والوعد كعادتهم.
ومما ينبغي أن نشير إليه، ونحن نستعرض شهادة القُرآن على اليهود، أنّ القرآن الكريم قد أكّد على ثبات هذه الصِّفة في اليهود قديمًا وحديثًا، فالآيات القرآنية تربط بين اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وبين آبائهم وأجدادهم الأولين في مختلف أدوارهم ربطًا محكمًا كأنّما هي تُقِرُّ أنّ ما عليه اليهود من أخلاقٍ وأحوالٍ وما وقفوه من مواقف إنّما هي مظهرٌ من أصول جِبِلَّةٍ خُلُقِيَّةٍ راسخةٍ يتوارثها الأبناء عن الآباء، بل هذا ما شهدت به التوراة والإنجيل.
مع أنّ التوراة كتابهم المقدّس، وبرغم تحريفها وتعرُّضها للتزييف على أيديهم إلاّ أنهّا لم تخلُ من الإشارة إلى أخلاقهم الذميمة، سيما خلق الغدر والخيانة ونبذ العهود.
ففي سِفرِ التثنيةِ من الإصحاح 32 عدد 19"إنّهم جيلٌ مُتقلّب أولادٌ لا أمانَة فيهم."
وإنّك لتعجب حينما تقرأ في سفر أشعيا الإصحاح 59 ما نصّه:
"خيوطُهم لا تصير ثوبًا، ولا يكتسون بأعمالهم، أعمالهم أعمالُ إثم،"وفعل الظُلم في أيديهم، أرجلهم إلى الشرِّ تجري وتسرع إلى سفك الدّم. أفكارُهُم أفكار إثم، في طرقهم اغتصاب وسحق، طريق السلام لم يعرفوه، وليس في مسالكهم عدل، جعلوا لأنفسهم سبيلًا معوجّةً كُلّ من يسير فيها لا يعرف سلامًا""
(1) المصدر السابق، ص: 136