معلوم أن هناك فئة من أهل المدينة لم تسلم، وهذه الفئة حينما عاينت انتصار المسلمين في بدر هالها الأمر، وأدركت أن المسلمين أصبحوا قوة لا يستهان بها، وأنه من الخير لهم ألا يقفوا منها موقف المعادي، وأن يجاروا المسلمين، فأظهروا إسلامهم نفاقًًاًًً، وتبعهم على ذلك بعض اليهود زورًا وبهتانًا ممن أظهر إسلامه بلسانه وأخفى في قلبه الحقد والغيظ على الإسلام وأهله.
وقد نجح سادة اليهود في جعل هؤلاء الذين لم يدخل الإسلام قلوبهم أدوات في أيديهم يستخدمونهم في تنفيذ مؤامراتهم ضد الإسلام وأهله، وقد كان المنافقون يشكلون جبهة داخلية مهمتها تقويض أركان الإسلام، وذلك باستغلال الأحداث التي تعرض للمسلمين، ومحاولة تضخيمها.
ويظهر القرآن الكريم مدى ارتباط المنافقين باليهود وذلك في حديثه عن المنافقين في سورة البقرة، يقول تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ (14) } [سورة البقرة 2/ 14]
قال ابن كثير في معنى {شَيَاطِينِهِمْ} :"سادتهم وكبراؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين ... قال ابن عباس رضي الله عنهما: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} : من يهود الذي يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم." [1]
فالآية السابقة إذًا توضح مدى الارتباط الكلي بين المنافقين واليهود، وتبين دور اليهود في تكوين فرق المنافقين، ولاشك أن النفاق أمر تعود عليه اليهود منذ القدم، فهم إذا ما غلبوا على أمرهم، وأصبحوا لايستطيعون المواجهة فحينئذ تبرز خصلة النفاق وسيلة تنقذهم مما هم فيه، وتساعدهم على تدبير المكائد والخطط.
إذًا لا عجب والأمر كذلك أن يستخدم اليهود النفاق مع المسلمين في ذلك الوقت فيُكَونوا الطائفة التي عرفت بالمنافقين والتي كان دورها كبيرًا في كثير من الأحداث التي حصلت للمسلمين فيما بعد بتوجيه من اليهود الذين عجزوا عن الاختراق المباشر لصفوف المسلمين، فبدأوا يوجهون الأحداث عن بعد، عن طريق المنافقين الذين كان على رأسهم: عبدالله بن أبي بن سلول.
يقول الميداني رحمه الله:"وبذلك استطاع اليهود أن يكونوا حزبًا مستورًا من المنافقين من عرب يثرب مع بعض أفراد من يهود أسلموا نفاقًا، وصاروا يغذونهم بعوامل النفاق التي لهم فيها باع طويل وخبرات كثيرة مارسوها منذ آلاف السنين، في مختلف الأمم التي حكمتهم وأذلتهم، ويؤكد ذلك أيضًا أنه لما تم جلاء اليهود عن المدينة خفتت أصوات المنافقين، وتجمدت معظم حركاتهم، وصلح بال الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الصادقين من جهة سلامة الصف الداخلي من عوامل الفتنة ومسببات التخلخل." [2]
وهذا عرْض لبعض المواقف التي كان للمنافقين فيها دور كبير، ولليهود توجيه لا يخفى على أحد:
1 -أولًا: في غزوة بدر الكبرى:
نصر الله - تعالى - المسلمين في غزوة بدر على قلتهم، وغاظ هذا النصر اليهود والمنافقين، فبدأوا يروجون الإشاعات والأراجيف حول المعركة، وذلك قبل وصول الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة، فقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة رضي الله عنهما ليبشرا أهل المدينة بالنصر. فلما سمع اليهود والمنافقون بهذا قال أحدهم: (قتل صاحبكم ومن معه؟ وقال آخر لأبي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقًا لا يجتمعون فيه أبدًا، وقد قتل عليه أصحابه، قتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ماذا يقول من الرعب.) [3] ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل زيدًا على ناقته القصواء. لذا قالوا ما قالوه نشرًا للفتنة، ومحاولة لزرع الشبهات في صفوف المسلمين، واستبعادًا لحصول النصر، وتهوينًا من أمره في نفوس المسلمين، ولكن
(1) تفسير ابن كثير، 1/ 72.
(2) مكايد يهودية عبر التاريخ، عبد الرحمن الميداني ص 94؛ وانظر كتاب: النفاق والمنافقون في عهد رسول الله '، تأليف: إبراهيم على سالم، دار الشعب، القاهرة، وذلك في سبب نشوء النفاق في المدينة، من ص 75 إلى 87.
(3) البداية والنهاية ج:3 ص:304