من نعم الله على بني إسرائيل أن جعلهم يرون بأعينهم الموت ثم يحييهم بعد ذلك، وهي آية عجيبة، ومنة عظيمة، وإن كان ظاهرها العقوبة ولكنها لم تدم عليهم، وذلك حين اختار موسى عليه السلام سبعين رجلًا من قومه ليتوبوا الى الله من اتخاذهم العجل، وجعل هارون خليفته على الباقين، وكان الموعد جبل الطور، [1] وكان هؤلاء السبعين الذين اختارهم موسى عليه السلام هم أصلح القوم، فلما جاؤا لميقات الله، وكلم الله نبيه وكليمه عليه السلام وهم يسمعون وأبت نفوسهم المشبعة بالعناد إلا أن يروا الله جهرة كما قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [سورة البقرة 2/ 55] فهلكوا جميعًا، فقام موسى عليه السلام يعتذر إلى ربه، ويدعوه فاستجاب له ربه قال تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [سورة لأعراف 7/ 155]
وقد وردت أقوال كثيرة في السبب الذي من أجله طلبوا الرؤية، غالبها من الروايات الإسرائيلية. قال الطبري رحمه الله:"فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة فتسلم لهم. وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه،"
(1) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ج: 4 ص: 47: طور بالضم ثم السكون وآخره راء والطور في كلام العرب الجبل وقال بعض أهل اللغة لا يسمى طورا حتى يكون ذا شجر ولا يقال للأجرد طور وقيل سمي طورا ببطور بن إسمعيل A أسقطت باؤه للاستثقال ويقال لجميع بلاد الشام الطور وقد تقدم لذلك شاهد في طرآن بوزن قرآن من هذا الكتاب وقال أهل السير سميت بطور بن اسمعيل بن إبراهيم A وكان يملكها فنسبت إليه وقد ذكر بعض العلماء أن الطور هذا الجبل المشرف على نابلس ولهذا يحجه السامرة وأما اليهود فلهم فيه اعتقاد عظيم ويزعمون أن إبراهيم أمر بذبح إسمعيل فيه وعندهم في التوراة أن الذبيح إسحاق A وبالقرب من مصر ثم موضع يسمى مدين جبل يسمى الطور ولا يخلو من الصالحين وحجارته كيف كسرت خرج منها صورة شجرة العليق وعليه كان الخطاب الثاني لموسى A ثم خروجه من مصر ببني إسرائيل وبلسان النبط كل جبل يقال له طور فإذا كان عليه نبت وشجر قيل طور سيناء والطور جبل بعينه مطل على طبرية الأردن بينهما أربعة فراسخ على رأسه بيعة واسعة محكمة البناء موثقة الأرجاء