بعث الله نبيه عيسى عليه السلام رسولًا مصدقًا للتوراة التي هي كتاب الله لبني إسرائيل، وأنزل معه الإنجيل فيه موعظة لهم، وتخفيف لبعض ما حرم عليهم كما قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ = 46} [سورة المائدة 5/ 46]
قال ابن كثير رحمه الله:"أي مؤمنًا بها حاكمًا بما فيها {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} أي هدى إلى الحق ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} أي متبعًا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح عليه السلام أنه قال لبني إسرائيل: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [سورة آل عمران 3/ 50] ولهذا كان المشهور من قول العلماء أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة وقوله تعالى: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} أي وجعلنا الإنجيل هدى يهتدى به، وموعظة أي زاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم، للمتقين أي: لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه. [1] "
وقد أعلمهم الله أن إيمانهم بما بعد التوراة هو الصحيح؛ لأن المصدر واحد، والإيمان بالسابق يستلزم الايمان باللاحق.
قال الطبري رحمه الله:"وإنما قال جل ثناؤه: {مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ} لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا؛ ففي الإنجيل والقرآن من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به وبما جاء به، مثل الذي من ذلك في توراة موسى عليه السلام؛ فلذلك قال جل ثناؤه لليهود إذ خبرهم عما وراء كتابهم الذي أنزله على موسى صلوات الله عليه من الكتب التي أنزلها إلى أنبيائه: إنه الحق مصدقًا للكتاب الذي معهم، يعني أنه له موافق فيما اليهود به مكذبون."
(1) تفسير ابن كثير ج 2/ص 65