جاء عيسى عليه السلام إلى الدنيا على خلاف ما جرت به عادة النساء غير أمه, حيث ولد بلا أب, كان هذا أمرًا عجيبًا. اتخذ اليهود مولده, الذي لم تستطع عقولهم القاصرة وقلوبهم المنكرة أن تستوعبه, مدعاة للطعن فيه, واعتقدوا أن المسيح عليه السلام ولد من الفحشاء، وأن مريم أتت به بطريق بشري غير شرعي في الحيض.
وهذا الأمر ليس غريبًا على اليهود الذين تطاولوا على خالقهم، وقتلوا أنبياءهم، ورموهم بالعظائم, وقد تقدم تبرئة الله لأمه، ومعجزته في ولادته عليه السلام.
وقد أجرى الله تعالى على يده كثيرًا من المعجزات، وذكر القرآن أمر رسالته ومعجزاته فقال: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَاكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49) } [سورة آل عمران 3/ 49]
ولما رأى اليهود المعجزات واضحة مؤثرة، من إحياء الموتى, وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك من المعجزات العظيمة، ورأوا إقبال الناس على الدعوة وإيمانهم، جحدوا رسالته، وأنكروا دعوته وحاولوا صد الناس عنه بتكذيبه مرة، وبتهديده مرة، مع أن الذي صرح به المسيح عليه السلام أنه غير مبدل لما عندهم، بل يخفف عنهم الأغلال التي كانت عليهم، ومبشرًا بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم من بعده، ولكن اليهود ناصبوه العداء، ولعل الذي دفع اليهود إلى هذا الموقف من عداءٍ للمسيح عليه السلام هو اتباع الهوى الذي لازمهم، فتعاليم المسيح القويمة عاكست اتجاههم، وخالفت هوى نفوسهم، ومعلوم عنهم أنهم كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوه أو قتلوه، ولما رأى اليهود أن كل هذه السبل التي سلكوها لم توقف مدَّ هذه الدعوة تآمروا على نهاية المسيح كعادتهم مع من قتلوا من الأنبياء. لما عجزوا عن مقاومة هذه الدعوة قرروا أن يضعوا حدًا لها، فقد أجمعوا على قتله وصلبه.