يذكر الله تبارك وتعالى لبني إسرائيل ما منّ به على أسلافهم يوم أطاعوا أمره واتبعوا نبيه، وأن هذا مآلهم لو اتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقد فضلهم بالتوحيد والطاعة على أهل زمانهم، وهو المراد بهذه الآيات كما صرح بهذا جمع من السلف، كمجاهد وأبي العالية و قتادة كما في الآثار السابقة.
وليس في هذه الآيات حجة لمن أراد تنزيلها على اليهود في كل الأزمان لما يلي:
1 -روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ألا إنكم وفيتم سبعين أمة"قال يعقوب في حديثه:"أنتم آخرها". وقال الحسن:"أنتم خيرها وأكرمها على الله ) ). [1]
قال الطبري رحمه الله:"فقد أنبأ هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل لم يكونوا مفضلين على أمة محمد عليه الصلاة والسلام وأن معنى قوله: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} وقوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} ما بينا من تأويله."
وقد قال الطبري في أول الآيات:"ويعني بقوله {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} أني فضلت أسلافكم، فنسب نعمه على آبائهم وأسلافهم إلى أنها نعم منه عليهم؛ إذ كانت مآثر الآباء مآثر للأبناء، والنعم عند الآباء نعمًا عند الأبناء؛ لكون الأبناء من الآباء، وأخرج جل ذكره قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} مخرج العموم وهو يريد به خصوصًا؛ لأن المعنى وأني فضلتكم على عالم من كنتم بين ظهريه وفي زمانه." [2]
2 -ولقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِوَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة آل عمران 3/ 110] ، فقوله {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم} يعلن أنهم غيرمقصودين بالتفضيل المطلق، بل هي دعوة لهم للتفضيل بدخولهم لهذا الدين،
(1) رواه أحمد حديث رقم 20037 ج 5/ص 3 والبيهقي في سننه ج 9/ص 5 والدارمي ج 2/ص 404 وحسن إسناده شعيب الأرناؤط.
(2) تفسير الطبري ج:1 ص:264 - 265