طلب اليهود من الرسول صلى الله عليه وسلم و أصحابه أن يكونوا هودًا حتى يهتدوا إلى الحق بزعمهم ولكن الله ألهم نبيه صلى الله عليه وسلم حجة بالغة, فأمره الله أن يقول لهم: تعالوا نتبع ملة إبراهيم عليه السلام التي تجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به فقال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة البقرة 2/ 135] ، فاليهود إذًا يزعمون أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام وأبناؤه كانوا هودًا أو على ملتهم، وهذا محال؛ لأن اليهودية حدثت بعدهم, حين بعث الله موسى عليه السلام وقد أكذبهم الله بهذه الفرية بقوله: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ} [سورة البقرة 2/ 140] يعني بما كانوا عليه من الأديان ثم جاء القول الفصل {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} ومن أصدق من الله قيلًا، ولكن هل كان اليهود يظنون أنهم على حق في نسبتهم إبراهيم عليه السلام إلى اليهودية, أم هي عادتهم التي جبلوا عليها من الافتراء والكذب؟
وختام الآية يبين الجواب: قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ} [سورة البقرة 2/ 140] . فلا أظلم منهم، حين عرفوا الحق وكتموا شهادته.
ولكن هل لليهود شهادة عندنا؟ الجواب:"الشهادة التي عندهم من الله في أمرهم، ما أنزل الله إليهم في التوراة والإنجيل، وأمرهم فيها بالاستنان بسنتهم واتباع ملتهم، وأنهم كانوا حنفاء مسلمين. وهي الشهادة التي عندهم من الله التي كتموها حين دعاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقالوا له: {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [سورة البقرة 2/ 111] وقالوا له ولأصحابه: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [سورة البقرة 2/ 135] . فأنزل الله فيهم هذه الآيات في تكذيبهم وكتمانهم الحق، وافترائهم على أنبياء الله الباطل والزور." [1]
(1) تفسير الطبري (1/ 575)