في فرحة المسلمين بانتصارهم في بدر، جمع الرسول صلى الله عليه وسلم يهود بني قينقاع في سوقهم ودعاهم وذكرهم ما حصل لقريش في بدر ولم يكن مضى عليها إلاّ شهر تقريبًا [1] فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (( يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا ) )، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك إنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تأت مثلنا. ))
لم يستح أولئك اليهود أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وقد نزل الوحي ينذر هؤلاء بسوء المنقلب: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) } [سورة آل عمران 3/ 12
كان اليهود في المدينة يؤججون العداوة بين قبيلتي الأوس والخزرج، أهم قبائل المدينة، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوة مباركة أيدها الأنصار الذين بايعوه في بيعتي العقبة الأولى والثانية وكان أول عمل قام به صلى الله عليه وسلم بعد دخوله المدينة هو المؤاخاة بين قبيلتي الأوس والخزرج ووضع حدًا للصراع الذي كان بينهما، فهم حديثوا عهد بقتال فعاشت المدينة في سلم وأمان مطمئنين تحت راية الإسلام.
واليهود كانوا مجموعة من الطوائف أغناهم بنو قينقاع، لأنهم كانوا يشتغلون في صناعة الحلي والذهب والفضة، وكانت أماكنهم التي يعيشون فيها محصنة، وهم بطبيعة الحال لا يحملون خيرًا في أنفسهم للمسلمين، بل يحقدون عليهم، وكان سبب الغزوة لما حدث لتلك المرأة المسلمة زوج أحد المسلمين الأنصار، التي كانت في السوق فقصدت أحد الصاغة اليهود لشراء حلي لها، وأثناء وجودها في محل ذلك الصائغ اليهودي، حاول بعضهم رفع حجابها، والحديث إليها، فتمنعت ونهرته، فقام
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 2/ 28