لم يسلم نبي الله موسى عليه السلام - وهو أخص أنبياء اليهود والمبعوث بالتوراة - من أذية اليهود له, حتى وصفوا أن مبعثه إليهم, كان شؤمًا عليهم, وأن الأذى لحقهم حتى بعد أن جاءهم فلم يفدهم مبعثه شيئًا من التخفيف, ففرعون سامهم العذاب قبل موسى عليه السلام وبعده, فماذا اختلف؟
و اليهود المعاصرون لموسى عليه السلام يصعب حصر أذيتهم له بعدد، مع كثرة معاينتهم من آيات الله عز وجل وعبره والمعجزات الباهرة التي يسوقها الله لنبيه عليه السلام، ومع ذلك: مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلهًا غير الله, ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة, وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون, ومرة يقال لهم: قولوا: حطة وادخلوا الباب سجدًا نغفر لكم خطاياكم، فيقولون: حنطة في شعيرة, ويدخلون الباب من قبل أستاههم, مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم عليه السلام التي يصعب إحصاؤها. [1]
وذكر أذى اليهود لموسى عليه السلام صراحة في القرآن في معرض تحذير هذه الأمة من مشابهة اليهود فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا = 69} [سورة الأحزاب 33/ 69] ، فكل ما سبق مما ذكرناه يصلح أن يكون مما آذى به اليهود نبيهم، ويورد بعض المفسرين نوعية معينة من الإيذاء:
1 -فقيل: أنه إيذاؤه عليه السلام بوصفه الجسماني حين زعموا أنه آدر [2] ، فعن أبي هريرة _ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن موسى عليه السلام كان
(1) للتفصيل انظر تفسير الطبري ج 1/ص 289
(2) الأدرة- بالضم نفخة في الخصية يقال رجل آدر بين الأدر و المأدور الذي ينفتق صفاقه فيقع قصبه ولا ينفتق إلا من جانبه الأيسر وقيل هو الذي يصيبه فتق في إحدى وقيل الأدرة الخصية والخصية الأدراء العظيمة من غير فتق آدر بين الأدرة بفتح الهمزة والدال وهي التي تسميها الناس القيلة ومنه الحديث إن بني إسرائيل كانوا يقولون إن موسى آدر (لسان العرب ج 4/ص 15)