فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 490

ولكن الله نجاه منه وشفاه بفضله ومنه, ولم يؤثر فيه هذا السحر إلاّ على جسده فقط لا على ما يقوله ويبلغه عن ربه، والذي يدل على أن الذي أصابه كان من جنس المرض قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (( أما أنا فقد شفاني الله. ) )ويؤيد ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن سعد: (( مرض النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عن النساء والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان. ) ) [1]

واعترض بعض العلماء, على مسألة - سحر الرسول صلى الله عليه وسلم - لأنها تنافي العصمة عندهم. وليست كذلك, فإن الله سبحانه وتعالى يبتلي رسله عليهم السلام بأنواع البلاء، فيزداد بذلك أجرهم، ويعظم ثوابهم، وهو- فداه أبي وأمي- واحد منهم (لم يعصم منه عليه الصلاة والسلام، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جرح يوم أحد، وكسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقًا شديدًا، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة صلى الله عليه وسلم، ومن الابتلاء الذي أوذي به الرسول صلى الله عليه وسلم ما أصابه من السحر.) [2]

(1) الطبقات الكبرى ج2/ص198 وفتح الباري 10: 227

(2) هناك بعض العلماء أنكروا هذا الحديث، وردوه ردًا منكرًا. فمن هؤلاء العلماء (الجصاص) في كتابه أحكام القرآن: (1: 49) حيث قال: (ومثل هذه الاخبار من وضع الملحدين تلعبًا بالحشو الطغام. . . .)

ومنهم الشيخ جمال الدين القاسمي في حيث قال: (ولا غرابة في أن لا يقبل هذا الخبر لما برهن عليه، وإن كان مخرجًا في الصحاح، وذلك لأنه ليس كل مخرج فيها سالمًا من القدح والنقد سندًا أو معنى كما يعرفه الراسخون. . . ) ) (محاسن التأويل) وغيرهم، قال المازري: (وقد انكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب انه يحط من منصب النبوة و يشكك فيه و هذا الذى ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل لان الدلائل القطعية قد قامت على صدقه و صحته و عصمته فيما يتعلق بالتبليغ و يجويز ما قام الدليل بخلافه باطل و اما ما يتعلق بامور الدنيا التى لم يبعث بسببها و لا كان مفضلا من اجلها و هو مما يعرض للبشر فغير بعيد ان يخيل اليه من امور الدنيا ما لا حقيقة له- نقله النووي في شرح صحيح مسلم ج14/ص174 وابن حجرفي فتح الباري ج10/ص226) وقد أجاب العلماء عن هذه الشبهة بالآتي:

1 -أولًا: من المعلوم أن الرسول ' بشر، فيجوز أن يصيبه ما يصيب البشر من الأوجاع والأمراض وتعدي الخلق عليه وظلمهم إياه كسائر البشر إلي أمثال ذلك مما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها فإنه عليه 'لم يعصم من هذه الامور، وقد كان ' يصيبه ما يصيب الرسل من أنواع البلاء وغير ذلك، فغير بعيد أن يصاب بمرض أو اعتداء أحد عليه بسحر ونحوه يخيل إليه بسببه في أمور الدنيا ما لا حقيقة له، كأن يخيل إليه أنه وطىء زوجاته وهو لم يطأهن، وحدث أنه جاء للرسول ' أحد الصحابة يعوده قائلًا له: إنك توعك يا رسول الله فقال: (( إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم. ) )إلا أن الإصابة أو المرض أو السحر لا يتجاوز ذلك إلي تلقي الوحي عن الله سبحانه وتعالى ولا إلي البلاغ عن ربه إلي الناس لقيام الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الامة على عصمته ' في تلقي الوحي وإبلاغه وسائر ما يتعلق بشؤون الدين. والذي وقع للرسول ' من السحر هو نوع من المرض الذي يتعلق بالصفات والعوارض البشرية والذي لا علاقة له بالوحي وبالرسالة التي كلف بإبلاغها، لذلك يظن البعض أن ما أصاب الرسول ' من السحر هو نقصًا وعيبًا وليس الأمر كما يظنون لأن ما وقع له هو من جنس ما كان يعتريه من الأعراض البشرية كأنواع الأمراض والآلام ونحو ذلك، فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر كما قال الله سبحانه وتعالى: {قالت رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه وشريعته كما حصل لموسى {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [سورة طه 20/ 66] وجاء في مرسل عبد الرحمن بن كعب عند ابن سعد ان أخت لبيد بن الاعصم قالت: (( إن يكن نبيًا فسيخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله. ) )فوقع الشق الاول. فتح الباري ج10/ص227

2 -ثانيًا: أما دعواهم أن السحر من عمل الشيطان والشيطان لا سلطان له على عباد الله لأن الله يقول: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [سورة الحجر 15/ 42] أي في الاغواء ولا شك أن اصابة الشيطان للأنبياء في أبدنهم لا ينفيه القرآن كما قال الله عن أيوب A: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [سورة ص 38/ 41] وقوله عن موسى A: { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى} [سورة طه 20/ 67] فهذا التخيل الذي وقع لموسى يطابق التخيل الذي وقع للرسول '، إلا ان تأثير السحر كما قررنا لا يمكن أن يصل إلي حد الاخلال في تلقي الوحي والعمل به وتبليغه للناس، لأن النصوص قد دلت على عصمة الرسل في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت