فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 261

ولبعض السلف الصالح يسمى أبا العباس الأبياني من أهل الأندلس ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن، وفيهن خير الدنيا والآخرة اتبع، ولا تبتدع اتضع، ولا ترتفع من تورع لا يتسع.

ومن الواضح أن هؤلاء الأئمة عنوا بالبدعة: البدعة بمعناها اللغوي، فدخل في ذلك الأمور المستحدثة في عادات الناس، والمصالح المرسلة، وغيرها، ولم يقصدوا البدعة في أمور الدين بل إنهم جعلوا الابتداع في الدين مذمومًا كله بلا استثناء، وعلى هذا فلا يصح الاحتجاج بهذا القول على جواز إحداث بدع في الدين لأنهم اعبروا ذلك مذموما كله.

ولهذا قال ابن الشاط معلقًا على ما ذكره القرافي: إن أمثلة البدع الواجبة والمندوبة والمباحة التي ذكرها القرافي وشيخه ابن عبد السلام لا تخرج عن كونها مما له أصل في الدين، ومن المصالح المرسلة، وعن كونها من العاديات، وما كان مما له أصل في الدين، ومن المصالح المرسلة لا يعد من البدع ; لأن خاصة البدعة أنها خارجة عما رسمه الشارع ; إذ هي طريقة في الدين ابتدعت على غير مثال تقدمها تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد فانفصلت بهذا القيد عن كل ما ظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها. وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع، إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة فحقيقتها إذا أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدى، وأصول الفقه إنما معناها استقراء كليات الأدلة حتى تكون عند المجتهد نصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس، وكذلك أصول الدين، وهو علم الكلام إنما حاصله تقرير لأدلة القرآن والسنة أو ما ينشأ عنها في التوحيد وما يتعلق به كما كان الفقه تقرير الأدلة في الفروع العبادية، وتصنيفها على ذلك الوجه، وإن كان مخترعا إلا أن له أصلا في الشرع ففي الحديث ما يدل عليه ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة. وقد تقدم بسطها فعلى القول بإثباتها أصلا شرعيا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدلتها التي ليست بمأخوذة من جزء واحد فليست ببدعة ألبتة وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة ; لأن كل بدعة ضلالة من غير إشكال كما يأتي بيانه إن شاء الله - تعالى، ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف، وجمع القرآن قبيحا، وهو باطل بالإجماع، فليس إذا ببدعة ويلزم أن يكون له دليل شرعي وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة، وإذا ثبت جزء في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان، أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام الناس في ليالي رمضان بدعة، وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قول من قال ذلك معتدا به، ولا معتمدا عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت