فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 261

تفوتها وتقول هذا من قضاء الله وقدره بل احرص على أخذه ولا تنسى جانب الاستعانة بالله، وإذا فاتك شيء اذكر القضاء والقدر وقل آمنت بالله وسلمت بقضائه وقدره.

-وهذا عمر رضي الله عنه لما قدم الشام فبلغه أن الطاعون قد ظهر في الشام، فاستشار الصحابة، فذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا ظهر الطاعون في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإن لم تكونوا بها فلا تقدموا عليها"فلما أُخبر عمر بذاك الحديث أراد أن يرجع رضي الله عنه، فقال له أبو عبيدة عامر ابن الجراح: يا أمير المؤمنين، أفرارًا من قدر الله!

فقال عمر رضي الله عنه: نفر من قدر الله إلى قدر الله.

فهكذا العبد يفعل الأسباب وهذه الأسباب هي من قدر الله تعالى.

وهكذا حال السلف رضوان الله عليهم لو تأملنا كيف عمروا البلدان التي دخلوها ونشروا الإسلام خلال مدة يسيرة في أصقاع المعمورة من شرقها إلى غربها، فهل كان فعلًا إيمانهم بالقضاء والقدر سببًا لتواكلهم وتوانيهم؟ نقول كلا وهذه الدعوة لا تصح في حقهم بل هم بإيمانهم بالقدر عرفوا أنه من مقتضى الإيمان بالقضاء والقدر هو أن يتخذوا الأسباب التي قدرها الله تعالى لهم، وإيمانهم بالقدر كان هو أكبر دافع لهم لتحقيق تلك الفتوحات والانتصارات وعمارة الأرض بما أمرهم الله تعالى.

الأثر الثاني: إن الإيمان بالقضاء والقدر يجعل المسلم يعرف قدره فلا يتكبر ولا يبطر ولا يتعالى لأنه يعلم أن كل ما في يده وما أعطاه الله تعالى من النعم وما فضله به على الخلق إنما هو بقضاء الله وقدره، فهو الذي حباه تلك النعم وأمده بتلك الصحة وأغناه وسخر له ما سخره من الطيبات فمن أين يأتيه الطغيان، فلإيمان بالقضاء والقدر هو من أكبر الدواعي التي تجعل المؤمن يتواضع لله تعالى.

الأثر الثالث: إن الإنسان خُلق بطبعه محبًا للحياة حريصًا على نفع نفسه كارهًا للمكاره والمصائب كما وصف الله تعالى الإنسان بقوله:"إن الإنسان خُلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا"لكن إيمان المؤمن بالقضاء والقدر يجعله يعلم دائما أم الخير من الله تعالى، فإذا أمده الله تعالى بنعمة يقول تلك نعمة أنعمها الله عليّ وعلى أهلي من قبل ويشكر الله تعالى عليها، فيكون ذلك دافعًا له لشكر الله، وإن أصابته المصيبة يقول إنما هو بقضاء الله وقدره، ويصبر ويحتسب. وهكذا يدور المسلم في سعادة على كلا الأمرين إن أصابه الخير فرح وحمد الله تعالى على ذلك، وإن أصابه الضر والسوء صبر واحتسب لأنه يعلم أن هذا بقضاء الله وقدره، فهو يؤمن إيمانًا كاملًا أنه مهما بذل من الأسباب ومهما احتاط من الاحتياطات فلن يفر من قدر الله، وبهذا يرتاح نفسيًا لا سيما عند نزول المصائب لأنه يعلم أنه هذه المصيبة قد كُتبت عليه من قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. رُوي عن علقمة رضي الله عنه في قول الله تعالى:"ما أصاب من مصيبة في"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت