الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها .." [1] قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويُسلم. ولهذا يقول الإمام الحربي وهو أحد السلف، يقول: من لم يؤمن بالقدر لم يتهن بعيشه."
ولهذا يقول الله تعالى:"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور"، أي لا تحزن على شيء قد فاتك فتحزن وتضجر ولا تفرح بشيء قد أعطاك الله إياه والمقصود بالفرح هنا أي البطر لكي لا تطغى.
فائدة: ينبغي على المسلم عند حلول المصائب أن يتحلى بالصبر لعدة أمور،
1 -أن هذا الشيء مكتوب عليه فجزعه لن يقدم شيئًا أو يؤخر.
2 -أنه إن صبر فسيُؤجر على صبره وإن جزع فلن ينال الأجر وسيجمع بين خسارتين، المصيبة التي حلت عليه وخسارة الأجر من الله تعالى.
الأثر الرابع: أن الإيمان بالقضاء والقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تنتشر في المجتمعات لا سيما مرض أو داء الحسد، فالحسد سببه أن الشخص يرى النعمة عند أخيه فيتمنى زوالها منه، فلو علم ذلك الشخص أن النعمة التي بيد أخيه إنما هي من الله تعالى وبقضائه وقدره فإن داء الحسد يزول تمامًا عن قلبه، ولا يمكن أن يحسد أحد لأنه يعلم أن أفعالهم وما أُعطوه إنما هو من قضاء الله وقدره، ويبين عليه الصلاة والسلام هذه القضية في الحديث الصحيح عنه، يقول:"إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ... .. وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب" [2]
ومعنى هذا الحديث: كما أن أخلاق أو أفعال العباد مقسومة عليهم كما تُقسم بينهم الأرزاق، فكما أن هذا غني وهذا فقير كذلك الأخلاق فهذا الشخص صدوق وهذا كذوب، وهكذا، وتكملة الحديث: وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب بمعنى إذا رأيت شخصًا قد أُعطي شيئا من الدنيا هذا ليس دليلًا على محبة الله له لأن الدنيا تُعطى لمن يحبه الله ومن لا يحبه الله، فالكافر يتنعم في هذه الدنيا ويعيش هنيئا ليكون ذلك ابتلاء له وزيادة لعذابه في الآخرة. وكون المؤمن يُضيق عليه رزقه وعيشه في الدنيا ليس دليلًا على بُغض الله له فقد يكون من أحب عباد الله فيبتليه الله تعالى بالمصائب بل إن أكثر الناس ابتلاء في الدنيا هم الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان فيه صلابة شُدد عليه البلاء وإن كان في دينه رقة خُفف عليه البلاء.
(1) الحديد 22.
(2) رواه أحمد