كُنْتُ جالسًا عند النّبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسَمِعْتُه يقول:"تَعَلّموا سورة البقرة، فإنّ أخذَها بَرَكةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطيعُها البَطَلةُ". وقال: ثم سكتَ ساعةً ثم قال:"تَعَلّمُوا سورةَ البقرةِ وآل عمران، فإنّهما الزّهراوان (1) ، تُظِلّان صاحبَهما يومَ القيامة، كأنّهما غمامتان، أو غَيايتان، أو فِرْقان من طيرٍ صوافّ. إنّ القرآنَ يلقي صاحبَه يومَ القيامة حين ينشقُّ عنه قبرُه كالرّجل الشّاحب، فيقول: هل تعرِفُني؟ فيقول: ما أَعرفُك. فيقول: أنا صاحبُك القرآنُ الذي أَظْمَأْتُك في الهواجرِ، وأسهرْتُ ليلَك، وإنّ كلَّ تاجرٍ من وراء تجارته، وإنّك اليومَ من وراءِ كلِّ تِجارة، فيُعطى المُلْكَ بيمينه، والخُلدَ بشماله، ويوضع على رأسه تاجُ الوَقار، ويُكسَى والداه حُلَّتين لا يقوم لهما أهلُ الدُّنيا، فيقولان: بِمَ كُسِينا هذا؟ فيُقال: بأخذ ولدَكما القرآن. ثم يقال: اقرأ واصعد في دَرجَ الجنّة وغُرَفِها، فهو في صُعود ما دام يقرأ، هَذًّا (2) كان أم تَرتيلًا" (3) .
البَطَلة: السَّحَرة.
والغَياية: ما أظلّ الإنسانَ فوقه.
(691) الحديث الخامس: وبالإسناد عن بُريدة قال:
كُنْتُ جالسًا عند النّبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسَمِعْتُه يقول:"إنّ أُمّتِي يسوقُها قومٌ عراضُ الوجوه، صغارُ الأَعْيُن، كأن وجوهَهم الحَجَف (4) -ثلاث مرار- حتى يُلحقوهم بجزيرة العرب. أما السابقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأمّا الثانية فيَهْلِكُ بعضٌ وينجو بعض، وأما"
(1) الزهراوان تثنية زهراه: أي بيضاء، والمعنى أنهما مشرقتان منيرتان.
(2) الهذّ: الإسراع في القراءة.
(3) المسند 5/ 348. وإسناده جيّد كسابقته وما يليه. وقد أخرج الإمام مسلم 1/ 553 (804) عن أبي أمامة صدر الحديث إلى". . طير صوافّ"87. وأخرج ابن ماجة 2/ 1242 (3781) من طريق وكيع عن بشير:"يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب، فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك، وأظمأت نهارك". وقال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وأخرج الحاكم أجزاء من الحديث من طريق بشير 1/ 556، 560، 567، وصحّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ورواه بطوله الهيثمي في المجمع 7/ 162 وقال: روى ابن ماجة منه طرفًا، ورواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وينظر المطالب العالية 3/ 383 (3487) ، وإتحاف المهرة 8/ 34، 241 (7562، 7563، 7979) . وقد تحدّث عن الحديث الشيخ الألباني في الصحيحة 9/ 792 (2829) ، ومال إلى تحسينه.
(4) الحَجَف جمع حَجَفة: التُّرس.