أَوَّلًا - الذِّمِّيُّ: 28 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْعُشْرَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً , وَاسْتَدَلُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْجِزْيَةِ فَهِيَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ; وَلِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ قَدْ يُؤَدِّي إلَى اسْتِئْصَالِ الْمَالِ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الْعُشْرَ يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ كُلَّمَا اخْتَلَفُوا إلَى آفَاقِ الْمُسْلِمِينَ , وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ مِرَارًا إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُ مِنْ قِطَاعٍ إلَى آخَرَ ; لِأَنَّ عِلَّةَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ الِانْتِفَاعُ وَالْحِمَايَةُ وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ يَخْتَلِفُونَ بِهِ .
ثَانِيًا: الْحَرْبِيُّ: 29 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِعَقْدِ أَمَانٍ وَدَفَعَ عُشْرَ تِجَارَتِهِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ مَرَّةً ثَانِيَةً فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْأَمَانِ الَّتِي تَقِلُّ عَنْ سَنَةٍ ; لِأَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ . كَمَا ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ إذَا عَادَ فِي السَّنَةِ بِمَالٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي عَشَرَهُ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا لَمْ تَنْفُقْ تِجَارَتُهُ الَّتِي عَشَرَهَا ثُمَّ رَجَعَ بِهَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ مَرَّةً أُخْرَى بِهَا , هَلْ تُعْشَرُ مَرَّةً ثَانِيَةً أَمْ لَا ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ الْعُشْرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّمَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ , سَوَاءٌ عَادَ بِنَفْسِ الْمَالِ أَوْ بِمَالٍ آخَرَ سِوَاهُ ; لِأَنَّ الْأَمَانَ الْأَوَّلَ قَدْ انْتَهَى بِدُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ وَقَدْ رَجَعَ بِأَمَانٍ جَدِيدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ الْعُشْرِ ; وَلِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ بَعْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ لَا يُفْضِي إلَى اسْتِئْصَالِ الْمَالِ . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ , وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ , إلَى أَنَّ الْعُشْرَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّاجِرِ الْحَرْبِيِّ سِوَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي السَّنَةِ وَلَوْ تَرَدَّدَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ كَالذِّمِّيِّ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنْ التِّجَارَةِ فَلَا يُؤْخَذُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ كَالزَّكَاةِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَجِزْيَةِ الرُّءُوسِ .
( وَقْتُ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ ) :
30 -يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ , وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , أَنَّ وَقْتَ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ عِنْدَ دُخُولِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ , وَبِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَ مُرُورِهِ بِعَاشِرِ الْإِقْلِيمِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ , سَوَاءٌ بَاعَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ بِضَاعَةٍ أَوْ لَمْ يَبِعْ ; لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ لَهُ حَقُّ الْوُصُولِ وَالْحِمَايَةِ مِنْ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ . وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ وَقْتَ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِبِضَاعَتِهِ مِنْ أُفُقٍ إلَى آخَرَ عِنْدَ بَيْعِ مَا بِيَدِهِ مِنْ بِضَاعَةٍ , فَإِذَا لَمْ يَبِعْ شَيْئًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ لِحَقِّ الِانْتِفَاعِ , أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ عِنْدَ دُخُولِهِ دَارَ الْإِسْلَام . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ تَحْدِيدَ وَقْتِ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ شَرْطِ الْإِمَامِ , فَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْبِضَاعَةِ , أَوْ عِنْدَ الدُّخُولِ كَانَ الْوَقْتُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ عِنْدَ دُخُولِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَ مُرُورِهِ بِالْعَاشِرِ سَوَاءٌ بَاعَ أَوْ لَمْ يَبِعْ , وَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ كَانَ وَقْتُ الِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ يَبِيعُوا الْبِضَاعَةَ فَإِنْ كَسَدَتْ وَلَمْ يَبِيعُوا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الثَّمَنُ .
مَنْ لَهُ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ:
31 -ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الْعُشْرَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَوَلَّى أَمْرَهَا الْأَئِمَّةُ وَالْوُلَاةُ ; لِأَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ بِالْإِمَامِ وَالْوُلَاةِ , فَصَارَ هَذَا الْمَالُ آمِنًا بِرِعَايَتِهِمْ وَحِمَايَتِهِمْ , فَثَبَتَ حَقُّ أَخْذِ الْعُشْرِ لَهُمْ .
طُرُقُ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ: