هذه الآيات في معرض الإنكار على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وما كانوا يعانونه من القِتال مع الأوس والخزرج.
يقول ابن كثير رحمه الله:"وذلك أنّ الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عُبّاد أصنامٍ وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريقٍ مع حلفائه فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرامٌ عليهم في دينهم ونصِّ كتابهم .... وذلك أنّ أهل الملّة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة ... {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحّته وأنتم تشهدون به {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ... } فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حربٌ خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يُظاهر كلّ واحدٍ من الفريقين حُلفاءه على إخوانه، حتّى تَسَافكُوا دماءَهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم." [1] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ = 12 فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ = 13} [سورة المائدة 5/ 12 - 13] .
وهكذا يقصّ علينا القرآن نقضهم المواثيق التي بينهم وبين الله. وإن كانوا قد نقضوا عهودهم مع الله فقد نقضوها مع أنبيائه ورُسُله. وحسبنا من ذلك أن نذكُر جُملةً من العهود والمواثيق التي أبرموها مع نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ثمّ نقضوها.
1 -أحبار اليهود ينقضون العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) المصدر السابق