وقد فصل لنا الله -تبارك وتعالى- المواثيق والعهود التي نقضوها ولكن أظهر آية في بيان أن هذا الخلق متأصل في النفس اليهودية وأن فيه خاصية الاستمرار في أجيالهم ولكي يلتفت المسلمون ولا يغيب عنهم هذا التحذير طرفة عين قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ = 100} [سورة البقرة 2/ 100]
وكان من أول الناقضين المعاصرين لنبينا صلى الله عليه وسلم ما فعله مالك بن الصيف، [1] حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه: والله ما عهد إلينا في محمد صلى الله عليه وسلم - وما أخذ له علينا ميثاقًا.
والمواثيق التي نقضوها مع الله كثير نذكر منها أمثلة تدل على المقصود فمن ذلك:
ميثاق العمل بما في التوراة وأخذها بقوة وتبيق ما فيها كقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ = 63} [سورة البقرة 2/ 63] قال ابن كثير:"يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق؛ بالإيمان به وحده لا شريك له، واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رءوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه ويأخذوه بقوة وحزم وامتثال، قال السدي: فلما أبو أن يسجدوا أمر الله الجبل يقع عليهم فنظروا اليه وقد غشيهم فسقطوا سجدًا فسجدوا على شق ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم فهم يسجدون كذلك. [2] "
ولكن التيجة هي التولي عن أمر الله قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ = 64} [سورة البقرة 2/ 64]
ميثاق الله عليهم بتوحيده والبر بالوالدين والإحسان الى الأقارب ومخاطبة الناس بالحسن من القول مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [سورة البقرة 2/ 83]
(1) من أحبار اليهود وهو الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله الحبر السمين جلى مع قومه بنو قينقاع في السنة الثانية للهجرة
(2) تفسير ابن كثير 1/ 256 - 257