يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي = 90 قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى = 91 قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا = 92 أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي = 93 قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَاخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَاسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي = 94 قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ = 95 قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي = 96 قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا = 97 إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا = 98 [سورة طه 20/ 83 - 98]
ذهب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه فعمد رجل منهم يقال له (السامري) [1] فأخذ ما كان استعاره من الحلي فصاغ منه عجلًا وألقى فيه قبضة من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل عليه السلام حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي، فراحوا يرقصون حوله ويفرحون، وقالوا: هذا إلهكم وإله موسى فنسي أي: فنسي موسى ربه عندنا وذهب يتطلبه وهو ههنا.
قال الله تعالى -مبينًا بطلان ما ذهبوا إليه وما عولوا عليه من إلهية هذا الذي قصاراه أن يكون حيوانًا بهيمًا وشيطانًا رجيمًا-: {أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا} [سورة طه 20/ 89] وقال {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [سورة الأعراف 7/ 148] فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ,ولا يرد جوابًا, ولا يملك ضرًا, ولا نفعًا, ولا يهدي إلى رشد, اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم وعالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال, {وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ} [سورة الأعراف 7/ 149] أي ندموا على ما صنعوا {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة الأعراف 7/ 149] ولما رجع موسى عليه السلام إليهم, ورأى ما هم عليه من عبادة العجل, ومعه الألواح المتضمنة التوراة ألقاها مع عظمتها, ولكن الأمر جلل, كما قال صلى الله عليه وسلم: (( ليس الخبر كالمعاينة إن الله خبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح. ) ) [2]
ثم أقبل عليهم فعنفهم, ووبخهم, في صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح وقالوا: حملنا أوزارًا من زينة القوم التي خرجنا بها معنا من مصر, فهم تحرجوا من تملك حلى آل فرعون وهم أعدائهم, ولم يتحرجوا بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد الذي له خوار, ثم أقبل على أخيه هارون عليه السلام: هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلمتني بما فعلوا! فقال: خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل فتركتهم وجئتني وأنت قد استخلفتني فيهم وقد كان هارون عليه السلام نهاهم عن هذا بقوله: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ} [سورة طه 20/ 90] أي إنما قدر الله أمر هذا العجل, وجعله يخور فتنة واختبارًا لكم وأن ربكم الله قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.
وقد شهد الله لهارون عليه السلام أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه ولم يتبعوه, لأن اليهود يزعمون: أنّ هارون عليه السلام هو السّامريّ الذي صنع العجل لبني إسرائيل، وأمرهم بعبادته، وهذا ليس غريبًا عنهم في كذبهم على الأنبياء. [3]
ثم أقبل موسى على السامري الذي قال: رأيت جبرائيل وهو راكب فرسًا فقبضت قبضة من أثر فرس جبريل, و لما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمره ما كان ولهذا قال: فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال له موسى: فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ,وهذا دعاء عليه بأن لا يمس أحدًا معاقبة له على مسه مالم يكن له مسه, هذا معاقبة له في الدنيا ثم توعده في الأخرى فقال: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} [سورة طه
(1) وردت آثار في تعريف السامري- اسمه، وأصله، وحبه عبادة البقر ... وغير ذلك. كله من الإسرائيليات لما فيها من المبالغات وعدم دقة المصدر اللهم الا كتب أهل الكتاب.
(2) قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه- المستدرك على الصحيحين ج 2/ص 351.
(3) كما ورد في سفر الخروج، الأصحاح (32) انظر الفصل في الملل ج 1/ص 140 اليهودية لأحمد شلبي 182.