هذه الكاف مؤكَدة، والمعنى ليس مثله شيء.
ولا يجوز أن يقال: المعنى مثلَ مثلِهِ شيء، لأن من قال هذا فقد أثبت المثل للَّهِ تعالى عن ذلك
عُلُوًّا كَبيراً (1) .
(1) قال السَّمين:
قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} في هذه الآيةِ أوجهٌ، أحدُها - وهو المشهورُ عند المُعْرِبين - أنَّ الكافَ زائدةٌ في خبرِ ليس، و «شيءٌ» اسمُها. والتقدير: ليس شيءٌ مثلَه. قالوا: ولولا ادِّعاءُ زيادتِها لَلَزِمَ أَنْ يكونَ له مِثْلٌ. وهو مُحالٌ؛ إذ يَصيرُ التقديرُ على أصالةِ الكاف: ليس مثلَ مثلِه شيءٌ، فنفى المماثلةَ عن مثلِه، فثبَتَ أنَّ له مثْلاً، لا مثلَ لذلك المَثَلِ، وهذا مُحالٌ تَعالى اللَّه عن ذلك.
وقال أبو البقاء: «ولو لم تكنْ زائدةً لأَفْضَى ذلك إلى المُحال؛ إذ كان يكونُ المعنى: أنَّ له مِثْلاً وليس لمثلِه مِثْلٌ. وفي ذلك تناقضٌ؛ لأنَّه إذا كان له مِثْلٌ فلِمِثْله مِثْلٌ وهو هو، مع أنَّ إثباتَ المِثْلِ لله تعالى مُحالٌ» . قلت: وهذه طريقةٌ غريبةٌ في تقريرِ الزيادةِ، وهي طريقةٌ حسنةٌ فيها حُسْنُ صناعةٍ.
والثاني: أنَّ مِثْلاً هي الزائدةُ كزيادتِها في قوله تعالى: {بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ} [البقرة: 137] . قال الطبري: «كما زِيْدَتِ الكافُ في قوله:
3966 وصَالياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ ...
وقولِ الآخر:
3967 - فصُيِّروا مثلَ كعَصْفٍ مَأْكُوْلْ ... وهذا ليس بجيدٍ؛ لأنَّ زيادةَ الأسماءِ ليسَتْ بجائزةٍ. وأيضاً يصيرُ التقديرُ ليس ك هو شيءٌ، ودخولُ الكافِ على الضمائرِ لا يجوزُ إلاَّ في شعرٍ.
الثالث: أنَّ العربَ تقولُ «مثلُكَ لا يَفْعَلُ كذا» يعْنُون المخاطبَ نفسَه؛ لأنَّهم يُريدون المبالغةَ في نَفْيِ الوصفِ عن المخاطب، فينفونَها في اللفظِ عن مثلِه، فَيَثْبُتُ انتفاؤُها عنه بدليلِها. ومنه قول الشاعر:
3968 على مِثْلِ ليلى يَقْتُل المرءُ نفسَه ... وإنْ باتَ مِنْ ليلى على اليأس طاويا
وقال أوس بن حجر:
3969 ليس كمثلِ الفتى زُهَيْرٍ ... خَلْقٌ يُوازِيه في الفضائلِ
وقال آخر:
3970 سَعْدُ بنُ زيدٍ إذا أبصرْتَ فضلَهُمُ ... فما كمِثْلِهِمْ في الناسِ مِنْ أَحَدِ
قال ابن قتيبة: «العرب تُقيم المِثْلَ مُقامَ النفسِ فتقول: مثلي لا يُقال له هذا، أي: أنا لا يُقال لي» . قيل: و [نظيرُ] نسبةُ المِثْل إلى مَنْ لا مِثْل له قولُك: فلانٌ يدُه مبسوطةٌ تريد أنه جَوادٌ، ولا نَظَرَ في الحقيقة إلى اليد، حتى تقولُ ذلك لمَنْ لا يَدَ له كقولِه تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] .
الرابع: أَنْ يُرادَ بالمِثْلِ الصفةُ، وذلك أنَّ المِثْلَ بمعنى المَثَلَ والمَثَلُ الصفةُ، كقولِه تعالى: {مَّثَلُ الجنة} [الرعد: 35] فيكونُ المعنى: ليس مِثْلُ صفتِه تعالى شيءٌ من الصفات التي لغيرِه، وهو مَحْمَلٌ سهلٌ. اهـ (الدُّرُّ المصُون) .