قَوْلُهُ بَابُ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً إِلَى قَوْله وَلَا هم يَحْزَنُونَ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْمُسْتَمْلِي وَثَبَتَتْ لِلْبَاقِينَ وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا لِمَنْ ثَبَّتَهَا حَدِيثٌ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف إِلَى بن عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ فَأَنْفَقَ بِاللَّيْلِ وَاحِدًا وَبِالنَّهَارِ وَاحِدًا وَفِي السِّرِّ وَاحِدًا وَفِي الْعَلَانِيَةِ وَاحِدًا وَذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَيْضًا وَزَادَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَكَ وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الْخَيْلِ الَّذِينَ يربطونها فِي سَبِيل الله أخرجه بن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَعَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي إِبَاحَةِ الِارْتِفَاقِ بِالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ لِأَنَّهُ يَرْتَفِقُ بِهَا كُلُّ مَارٍّ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فِي سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ وَكَانَتْ أَعَمَّ قَوْلُهُ بَابُ صَدَقَةِ السِّرِّ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خير لكم الْآيَةَ وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي خَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ ثُمَّ زَانِيَةٍ ثُمَّ غَنِيٍّ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ وَيَكُونُ قَدِ اقْتَصَرَ فِي تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْآيَةِ وَعَلَى مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَيَحْتَاجُ إِلَى مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ وَحَدِيثِ الْمُتَصَدِّقِ وَوَجْهُهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ بِاللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ بَلْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِيهِ لِأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ كَمَا سَيَأْتِي فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَدَقَتَهُ كَانَتْ سِرًّا إِذْ لَوْ كَانَتْ بِالْجَهْرِ نَهَارًا لَمَا خَفِيَ عَنْهُ حَالُ الْغَنِيِّ لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ لَا تَخْفَى بِخِلَافِ الزَّانِيَةِ وَالسَّارِقِ وَلِذَلِكَ خُصَّ الْغَنِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ دُونَهُمَا وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِتَمَامِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَهُوَ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ وَأَمَّا الْآيَةُ فَظَاهِرَةٌ فِي تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ أَيْضًا وَلَكِنْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْإِعْلَانَ فِي صَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِخْفَاءِ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ وَخَالَفَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَقَالَ إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَالَ فَالْمَعْنَى إِنْ تُؤْتُوهَا أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ ظَاهِرَةً فَلَكُمْ فَضْلٌ وَإِنْ تُؤْتُوهَا فُقَرَاءَكُمْ سِرًّا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قَالَ وَكَانَ يَأْمُرُ بِإِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ أَنَّ إِخْفَاءَ الزَّكَاةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَفْضَلَ فَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّ الظَّنَّ يُسَاءُ بِمَنْ أَخْفَاهَا فَلِهَذَا كَانَ إِظْهَارُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَفْضَلَ قَالَ بن عَطِيَّةَ وَيُشْبِهُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَكُونَ الْإِخْفَاءُ بِصَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلَ فَقَدْ كَثُرَ الْمَانِعُ لَهَا وَصَارَ إِخْرَاجُهَا عُرْضَةً لِلرِّيَاءِ انْتَهَى وَأَيْضًا فَكَانَ السَّلَفُ يُعْطُونَ زَكَاتَهُمْ لِلسُّعَاةِ وَكَانَ مَنْ أَخْفَاهَا اتُّهِمَ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ وَأَمَّا الْيَوْمَ فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ فَصَارَ إِخْفَاؤُهَا أَفْضَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ لَوْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ لَمَا كَانَ بَعيدا فَإِذا كَانَ الإِمَام مثلا جَائِزا وَمَالَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مَخْفِيًّا فَالْإِسْرَارُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْمُتَطَوِّعُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيُتَّبَعُ وَتَنْبَعِثُ الْهِمَمُ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالْإِنْفَاقِ وَسَلِمَ قَصْدُهُ فَالْإِظْهَارُ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ